تواجه المرأة العراقية تحديات كبيرة في الوصول إلى المناصب الادارية والقيادية داخل المؤسسات الحكومية، رغم ما نص عليه الدستور العراقي لعام 2005 من ضمان المساواة بين الجنسين في المادة 14 ومنحها حق المشاركة السياسية في المادة 20. هذه التحديات انعكست على محدودية حضور النساء في مواقع صنع القرار، مما يحرم الدولة من طاقات بشرية هائلة يمكن أن تسهم في تحسين الأداء الحكومي وصياغة سياسات شاملة وعادلة.
تشير الاحصائيات إلى أنّ النساء يشكلن نسبة 49.82 بالمئة من السكان البالغ عددهم اكثر من 45 مليون نسمة، مع كفاءات مثبتة في التعليم والصحة والقانون والاقتصاد، ومع ذلك فإن تمثيلهن في المناصب التنفيذية العليا محدود وغالبا رمزي، كما يقتصر دورهن على مواقع ثانوية لا تمكّنهن من التأثير الفعلي في صنع القرار، وهو ما يتناقض مع التزامات العراق الدولية مثل اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة سيداو.
وبحسب النصوص القانونية ذات الصلة مثل قوانين الخدمة المدنية والتعليمات الادارية المتعلقة بالترقيات والتعيينات، وتحليل البيانات الحكومية المتعلقة بعدد النساء في المناصب الادارية العليا في محافظة الديوانية، فضلا عن مقابلات مع ناشطات نسويات وخبيرات في القانون الدستوري وموظفات قياديات في الدوائر الحكومية، فقد أظهرت النتائج فجوات كبيرة في التشريعات وعدم وجود التزامات ملزمة لضمان تمثيل نسائي في القيادة التنفيذية، إضافة الى ضعف برامج التدريب والتأهيل، وهيمنة الثقافة الذكورية، وضعف شبكات الدعم النسائية داخل الاحزاب والمؤسسات.
وتكشف البيانات الرسمية عن واقع المناصب الادارية في المحافظة، حيث تحتل النساء بعض مواقع الرئاسة الجزئية في أقسام ووحدات ادارية محدودة في مديريات مثل مجاري الديوانية، زراعة الديوانية، وغاز القادسية، بينما يغيب تمثيلهن عن مؤسسات رئيسية مثل اذاعة وتلفزيون الديوانية، قائمقامية القضاء، وهيئة الاستثمار، رغم وجود كفاءات مثبتة.
أنّ معالجة الفجوات تتطلب مزج خيارات تشريعية ومؤسسية ومجتمعية وثقافية، أبرزها إصدار قرار ملزم بنسبة تمثيل نسائي لا تقل عن ثلاثين بالمئة في المناصب القيادية، تطوير برامج تدريب وتأهيل منتظمة، إنشاء قاعدة بيانات وطنية للنساء الكفوءات، تأسيس شبكات وتحالفات نسائية قوية، وحملات إعلامية لتغيير الصورة النمطية عن دور المرأة في القيادة. اضافة الى تدابير حماية النساء من المضايقات القانونية والسياسية والاجتماعية، وضمان بيئة آمنة داخل المؤسسات الحكومية.
في هذا السياق، يبرز تمكين المرأة ليس كمسألة رمزية، بل كأولوية وطنية تؤثر على جودة الحوكمة والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، ويشكل خطوة استراتيجية لتعزيز صورة العراق داخليا ودوليا، وبناء قيادة أكثر عدالة واقتصاد أكثر نمو ومجتمع أكثر استقرار ” مشاركة النساء في القيادة الادارية سيحسن نوعية الحوكمة ويزيد شمولية السياسات العامة، كما يغير التصور الاجتماعي عن المرأة من عنصر تابع إلى قائدة، ويسهم في تحسين الاداء المؤسسي واستثمار نصف رأس المال البشري المهمش”.
وفي الختام، يشدد الخبراء والناشطات على أنّ نجاح هذه السياسات يعتمد على التزام الحكومة المحلية ومجلس المحافظة والدعم المجتمعي والمؤسسي، لضمان أن تصبح المرأة شريكا فاعلا في صنع القرار، لا مجرد عنصر تكميلي، ولخلق نموذج متوازن يمثل جميع فئات المجتمع ويعكس تطلعاته في العدالة والمساواة.





