منار الزبيدي
عملها الإنساني مع منظمات محلية ودولية، بعد اعتزالها اللعب مع المنتخب العراقي بكرة الطائرة سنة 2016، غير مسار حياة الأستاذة الجامعية سرى جميل حنا، إذ انتقل طموحها من محاولة تغيير النتائج خلال المباريات في الملاعب، كما تقول، إلى محاولة تغيير واقع الناس عبر البرلمان الذي تخطط للوصول اليه في الانتخابات المزمع إجراؤها يوم 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 كمرشحة مستقلة.
تقول “سرى” وهي أكاديمية بجامعة دهوك تحمل شهادة الدكتوراه في التربية الرياضية، بأن اطلاعها عن قرب على ملفات عديدة “والظلم والتهميش الذي يطال فئات مجتمعية وسوء الأداء الحكومي والسياسي في العراق” هو ما دفعها لاتخاذ قرار الترشيح، خاصة انها كانت قد بدأت قبلها خطوات عملية أثبتت من خلالها حضورها.
وتوضح:”عززت من خلال الورش والتدريبات معلوماتي ومهاراتي وأصبحت أنتقد بشكل واضح سوء الخدمات والظلم”. وهي تأمل أن تحصل على مقعد نيابي، لكي تتحرك بفاعلية أكبر وتمتلك:”أدوات لإصلاح مايمكن إصلاحه” كما تقول.
وترى بأنها تحظى بالتشجيع الكبير، لأنها مستقلة أو كما تصف نفسها “مدافعة شرسة” عن الحقوق والحريات في المحافل العامة، وتستخدم منصات التواصل الاجتماعي بفعالية “لنشر الوعي بين المواطنين”، وتستند الى “دوافع إنسانية واجتماعية لتحفيز الرأي العام على المساهمة في التغيير”.
كانت لسرى، محاولة أولى غير مكتملة في الانتخابات البرلمانية ضمن إقليم كردستان سنة 2024، إذ سجلت نفسها كمرشحة بالفعل، وسددت الرسوم البالغة مليونا و250 ألف دينار، وعقدت جلسات وجاهية مع الأهالي في عدد من قرى دهوك، وتقول بأنها حصلت على “ترحيب وتأييد كبير”.
لكنها لم تكمل خوض المعركة الانتخابية وقررت الانسحاب، بسبب تدهور الوضع الصحي لوالدتها، وهي الابنة الوحيدة لها، تقول عن ذلك:”قرار الانسحاب كان صعبا للغاية لكن التجربة كانت غنية بالمعلومات تعلمت من خلالها التخطيط الانتخابي وإدارة الجمهور الناخب وكيفية التأثير فيهم”.
عادت في 2025 بطموح امتد إلى خارج حدود إقليم كردستان، وسجلت نفسها مرشحة في الانتخابات البرلمانية العراقية لدى المفوضية العليا للانتخابات، وسددت الرسوم البالغة ثلاثة ملايين و 400 الف دينار، منها”مليونا دينار تأمينات للمفوضية العليا للانتخابات و 500 ألف دينار رسوم تسجيل، إضافة الى مبلغ 430 ألف دينار وهي أجور تحقق من الشهادة”.
ولأنها مرشحة مستقلة غير مدعومة من قبل حزب او كيان سياسي، فان عليها أن تعتمد على مسار محدد في حملتها الانتخابية يتوافق مع امكانياتها المادية واللوجستية، وهو ما تقول “سرى” انها أعدت له خطط تتركز على الدعاية عبر وسائل التواصل الإجتماعي، الى جانب تعويلها على شبكة علاقات اجتماعية أسستها من خلال عملها في المجتمع المدني.
وأثمرت علاقاتها تلك عن “دعم جيد”، إذ تشترط لوائح مفوضية الانتخابات، حصول المرشح على دعم 500 ناخب في الدائرة الانتخابية في الأقل ليتمكن من التسجيل ودخول المعترك الانتخابي:”وانا استطعت الحصول على قائمة بـ 600 أسم”، تقول مفاخرة.
على الرغم من ذلك تدرك د سرى، ان خبرتها والتأييد الذي تحظى به وامكانياتها المهنية، لن تكون كافية لتعبيد طريقها نحو البرلمان. تقول الفوز في الغالب يكون محصورا بـ”أصحاب المال والنفوذ”، وتشدد بانها “انتخابات المال والنفوذ”، لذا فهي تعتقد بأن فرص الفوز في الغالب ستظل محصورة بالقوائم المدعومة من قبل الأحزاب ولاسيما الكبيرة. ثم تستدرك: “علينا المحاولة من أجل تحقيق التغيير”.
لكن محاولة د سرى، واجهت منذ البداية جداراً كبيراً، فقبل أن تبدأ معركة التنافس ودعايتها الفعلية، صدمت بقرار رفض طلب ترشحها من قبل مجلس المفوضين التابع لمفوضية الانتخابات الذي صدر في الرابع من آب/أغسطس 2025 “لمخالفتها شروط الترشيح”، دون ذكر طبيعة تلك المخالفات.
وهو أمر واجهه الكثير من المرشحين والمرشحات، الذين جرى استبعادهم لأسباب مختلفة، ولم يتمكن الكثيريون منهم خاصة المستقلون من ترتيب أوراقهم القانونية للطعن بالقرار، في ظل عدم امتلاكهم فريقا قانونيا يتابع ملفاتهم لحسمها سريعا قبل انقضاء المدة المحددة.

د.سرى من بين مرشحات مستقلات قليلات، يحاولن معتمدات على طموحهن الشخصي وخبراتهن وامكانياتهن المادية البسيطة في منافسة مرشحات ومرشحين يمتلكون الدعم الحزبي، مما يعني المال الوفير لتغطية تكاليف الحملات الدعائية، والاهم من ذلك التأييد والتحشيد الجماهيري الحاسم في صناديق الاقتراع.
وعلى الرغم من مرور أكثر من عقدين على الممارسة الانتخابية، واعتماد نظام الكوتا النسائية في العراق، ومشاركة آلاف النساء في العملية الانتخابية كناخبات ومرشحات، إلا أن الواقع السياسي ما زال بعيداً عن تحقيق توازن حقيقي بينهن وبين الرجال في فرص الترشح والمنافسة.
غياب التوازن
بلغ العدد الكلي للمرشحين والمرشحات، للانتخابات النيابية المقبلة 7,876، غالبيتهم من الذكور، حيث بلغت أعدادهم 5,641 مرشحاً، بينما لم يتجاوز عدد المرشحات الإناث 2,235 مرشحة.
النساء بذلك شكلن 28,3% فقط من إجمالي المرشحين، بفارق تجاوز 3,406 مرشح لصالح الذكور، وفقا لما يذكره بلال السامرائي، مدير دائرة الاعلام والاتصال الجماهيري في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات الذي يؤكد بأن أعداد المرشحين الأفراد مع مرشحي الأقليات قد بلغت (76) بينهم (13) امرأة، منوها إلى أن الأعداد أعلاه غير نهائية و قد تتغير بعد خضوعها الى عملية تحقق الأهلية ومن المحتمل استبعاد عدد كبير منهم .


وكانت انتخابات الدورة النيابية السابقة في 2021 قد شهدت ترشح 3,225، بينهم 946 مرشحة حققت فيها النساء نسب فوز عالية، إذ بلغ عدد الفائزات (95) لتتجاوز مقاعدهن نسبة الكوتا المقررة (83) مقعداً، وكان مجموع الأصوات التي حصلت عليها الفائزات 917601 صوتاً.
كما حصل الأفراد المستقلون على (43) مقعدا في مجلس النواب 2021 بعد مشاركة (789) مرشح ومرشحة من الأفراد المستقلين في الانتخابات .
أما في الانتخابات المقبلة في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وقبل قرارات الاستبعاد التي أصدرتها مفوضية الانتخابات فقد كان عدد المرشحين الأفراد (87) فرداً، بينهم (14) امرأة الغالبية منهن مرشحات ضمن كوتا الأقليات، بحسب عضو الفريق الإعلامي للمفوضية العليا للانتخابات د.عماد جميل.
الذي يشير إلى أن الترشح الفردي في هذه الانتخابات يجعل من الصعب على المرأة الفوز “إذا رشحت مستقلة”، إذ لا يمكنها الحصول على أصوات توصلها إلى عتبة الفوز أو منافسة القوائم الكبيرة في مرحلة تقسيم المقاعد.
ويرى عماد جميل، أن هذا السبب هو الذي دفع أغلب المرشحات إلى “الانخراط في قوائم انتخابية، كون ذلك يقدم لهن مصلحة فنية في سبيل الحصول على مقاعد داخل مجلس النواب.
المستقلات مهمشات
ندى ساجد (40 سنة) من محافظة الديوانية وهي ناشطة سياسية، شاركت في احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر 2019 التي طالبت بإصلاحات سياسية واسعة في البلاد. وعرفت ندى بدفاعها عن قضايا النساء والفقراء والقضايا الوطنية، مما دفع الكثيرين ممن يعرفونها لمطالبتها بالترشح في الانتخابات البرلمانية.
الأمر الذي جعلها تفكر بجدّية في ذلك، لكن بشرط وضعته لنفسها وهو أن لا تنضم لأي حزب وأن تبقى مستقلة وترشح ضمن قائمة منفردة، غير أن “حسابات الواقع كانت قاسية ومجازفة” بالنسبة لناشطة مستقلة مثلها، حسبما تقول.
وتوضح: “واقع التحديات أكبر بكثير من طموحي في الترشح، ومحبة الناس وتشجيعهم لا يغطيان التكاليف المطلوبة للمنافسة بشرف، فان لا املك المال الكافي لذلك، وحتى المبادرات الإجتماعية، انفق عليها من حسابي الخاص أو تبرعات الميسورين”.
وتتابع مستدركة: “حتى لو حصلت على الدعم المالي، والذي سيظل متوضعا مقارنة بما يملكه مرشحو الاحزاب، تبقى مخاوفي تجاه نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها، فلا احد يستطيع ان يحمي أصوات الناخبين وفوق هذا كله، هناك غياب للدعم الشعبي الحقيقي ففي لحظة التصويت يميل أغلب الناخبين إلى من يدفع لهم المال أو من يقدم لهم وعود التعيين وغيرها، من أصحاب الوعود الوهمية”.
هذا العائق، كبح جماح طموحها للمشاركة في الانتخابات، وقررت عدم الترشح: “سأبتعد حفاظاً على استقلاليتي ومواقفي الإنسانية الوطنية بعيداً عن المال السياسي، فأنا لستُ للبيع”.
وبحسب الناشطة ندى ساجد، فإن أغلب المستقلات العراقيات “مهمشات من حيث التكافؤ في فرص المنافسة والتمويل والجمهور والحماية قياساً بالنساء المرشحات من أحزاب”.
“المرشحات المستقلات يواجهن غيابا في تكافؤ فرص المنافسة والتمويل وحشد الجمهور والحماية قياساً بالنساء المرشحات من أحزاب”.
د.سرى جميل حنا، تؤكد ذات الرأي، قائلة ان هذه هي أسباب رئيسية لعزوف أغلب النساء المستقلات عن خوض الانتخابات، فضلاً عن أسباب أخرى منها:”حملات تشويه السمعة والشرف والطعن بالأخلاق عبر وسائل التواصل الإجتماعي”.
وأيضاً عدم قدرة البعض منهن على تحمل المسؤولية لأن الترشح للانتخابات :”يحتاج إلى جهود كبيرة ومستمرة وتفرغ وصبر وقدرة على العمل تحت الضغط”.
وتشير إلى أن بعضاً من المرشحات المستقلات، يتعرضن الى :”مساومة غير أخلاقية مقابل تقديم الدعم للترشيح مع جهة حزبية معينة”حسب تعبيرها.
تفاوت يُفضحه الواقع
“قلة النساء المرشحات لا يرتبط بخلل في النصوص القانونية، بل بمشكلة عميقة في البيئة السياسية والاجتماعية التي تحيط بالمرأة العراقية”.
التفاوت الرقمي بين المرشحين الذكور والإناث للانتخابات البرلمانية وفقا للأرقام الأولية التي نشرتها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات “لا يعود إلى خلل في النصوص القانونية”، حسب الباحثة في مجال حقوق المرأة فريال الكعبي، التي تعتقد بأنه :”يكشف عن خلل أعمق في البيئة السياسية والاجتماعية التي تحيط بالمرأة العراقية”.
وتقول بأن الفرص المتاحة للرجال في بناء الحملات الانتخابية، وتوفير الموارد، والحصول على الدعم المجتمعي أو العشائري، تفوق بكثير تلك المتاحة للنساء، خصوصاً في المحافظات والمناطق التي تُهيمن عليها الأعراف التقليدية والنظرة الذكورية لدور المرأة.
وترى بأن المرأة الراغبة في الترشح تواجه مجموعة من التحديات المعقّدة، أبرزها “التمييز المجتمعي”. وتوضح :”ما تزال قطاعات واسعة من المجتمع العراقي تُشكك في قدرة المرأة على القيادة واتخاذ القرار، خصوصاً في البيئات المحافظة، كما أن بعض النساء يتعرضن الى مضايقات وتهديدات وتشويه للسمعة مما يدفعهن إلى التراجع أو العزوف عن الترشح”.
وتؤشر كذلك غياب الدعم الحزبي للمرشحات مع الأحزاب مقارنة بالرجال، وتتابع:”تُزج النساء في قوائم الأحزاب لتغطية متطلبات الكوتا فقط، دون تمكين فعلي أو دعم جاد لحملاتهن الانتخابية، وهناك أيضا تمييز في دفع الأموال، فنلاحظ وجود تمويل أكبر للذكور مقارنة بالنساء” .
وكذلك الحال بالنسبة للتسلسلات في القوائم الانتخابية، إذ يحتل الرجال وفقاً للباحثة فريال الكعبي، التسلسلات الأولى في الغالب.
“حملات تشويه السمعة والشرف والطعن بالأخلاق عبر وسائل التواصل الإجتماعي.. مشكلة أخرى تواجه من يفكرن بالترشح”.
“حملات تشويه السمعة والشرف والطعن بالأخلاق عبر وسائل التواصل الإجتماعي.. مشكلة أخرى تواجه من يفكرن بالترشح”.
رئيسة شبكة النساء العراقيات امل كباشي، تعدد جملة من التحديات الأخرى التي تواجه المرأة الراغبة في الترشح الفردي في الانتخابات، وهي “البيئة السياسية غير المؤاتيه لقبول النساء وتشجيعهن على ممارسة العمل السياسي”، الى جانب “ضعف برامج التمكين السياسي للنساء وعدم فاعليتها”.
ولا يمنع القانون المرشحات المستقلات من الترشح في قائمة منفردة، وعن دائرة انتخابية واحدة للمشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة، على أن تسجل بنحو رسمي لدى المفوضية العليا للانتخابات، وأن تسدد أجور الاشتراك وقيمتها نصف مليون دينار عراقي، فضلاً عن (400) ألف دينار تدفعها كأجور للتحقق المرتبط بـ”الأدلة الجنائية والمساءلة والعدالة”، ومليونا دينار إضافية تقدمها كتأمينات، يمكن استعادتها في حالات معينة وفق تعليمات مفوضية الانتخابات.
كما تسدد مبلغاً آخر مقداره (17) الف دينار عراقي، الى مديرية التقويم والامتحانات في وزارة التربية للتحقق من وثيقة المرحلة الإعدادية للمرشح ويشترط ايضا أن تقدم المرشحة أو المرشح قائمة تضم أسماء ناخبين داعمين بما لا يقل عن (500) اسم غير مكرر من الناخبين المسجلين في الدائرة الانتخابية التي تتقدم للترشح فيها بقائمة منفردة بالنسبة للمقاعد العامة.
وكان مجلس المفوضين قد خفض في 16 حزيران/يونيو 2025، رسوم التسجيل بالنسبة للمرشحات المستقلات، وذلك بناءً على مقترح مكتب المساعدة الانتخابية التابع لبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، ليصبح (500) ألف دينار بدلا من مليون دينار.

انتحار سياسي
الباحث في شؤون الأحزاب والأنظمة السياسية أحمد الخضيري، يقول بأن أغلب النساء الراغبات في المشاركة السياسية يرفضن الترشح بنحو منفرد في الانتخابات لأنه “انتحار سياسي بالنسبة لهن، كونه لا يسمح بالفوز في ظل النظام الانتخابي الحالي ومعادلة سانت ليغو” وفقاً لما ذكر.
ويشير إلى الأثر الكبير للدور العشائري والديني في دعم المرشحين بالانتخابات المحلية في المحافظات أو البرلمانية، ويقول عن ذلك:”الولاءات العشائرية والدينية تمنح الأحزاب التي تستند اليهما أو على أحدهما، قاعدة جماهيرية ثابتة”، بينما تفتقر المرشحة المستقلة حسب اطلاعه على تجارب سابقة عديدة، إلى هذا الدعم المنظم “وغالباً ما يتم ترشيح النساء ضمن قوائم الأحزاب كنوع من استكمال كوتا وليس بناءً على قدراتهن الفردية أو شعبيتهن المستقلة”.
وينبه أيضا إلى عدم وجود آليات كافية لدعم المرشحات المستقلات سواء من منظمات المجتمع المدني أو من الدولة نفسها في مواجهة التحديات المالية واللوجستية للحملات الانتخابية “وهو ما يمثل نقصاً في الدعم المؤسسي”.
وتعد معادلة سانت ليغو، التي تستخدم في الانتخابات العراقية لإحتساب أصوات المقاعد، العامل الأبرز الذي يجعل الترشح المنفرد “انتحاراً سياسياً” كما يقول الخضيري.
وسانت ليغو، هي طريقة لتوزيع المقاعد النيابية على القوائم الانتخابية وتميل بنحو عام إلى تفضيل الكتل الكبيرة والأحزاب المتحالفة إذ تمنح ميزة للتحالفات الكبيرة والقوائم التي تحصل على عدد كبير من الأصوات فكلما زاد عدد الأصوات للقائمة زادت فرصها في الحصول على مقاعد.
وتقل حظوظ المرشح المستقل في هذا النظام الانتخابي، فالأصوات التي يحصل عليها حتى وإن كانت كبيرة فهي غالباً ما تتبدد ولا تتحول إلى مقعد لأنها لا تندرج ضمن قائمة كبيرة تحقق “عتبة النجاح” اللازمة للحصول على مقاعد وفق هذه المعادلة.
الكوتا لا تكفي
المعنيون بشؤون الانتخابات، يؤكدون بأن نظام الكوتا أسهم بحصول النساء على 95 مقعداً برلمانيا في انتخابات سنة 2021، لكن وفق تعديل أجري على قانون الانتخابات في العام 2023، منحت فيه النساء نسبة 25% ككوتا، ستنخفض أعداد مقاعدهن ولن تتجاوز 83 مقعداً.
“الكوتا لا تكفي لوحدها لتحقيق مشاركة سياسية عادلة للنساء دون أن تترافق مع تغييرات أعمق في الثقافة السياسية، وتعزيز فرص التمكين وتغيير نظرة المجتمع للأدوار القيادية النسوية”
الخبير في الشأن الانتخابي هوكر جتو، يقول بأن :”الفجوة العددية بين الرجال والنساء في التمثيل السياسي لا تعكس فقط تفضيلات الناخبين أو خيارات الأحزاب، بل تعود إلى أسباب دستورية و قانونية و بنيوية اجتماعية عميقة”.
ويوضح:”من الناحية الدستورية، فإن نظام الكوتا النسائية يستند إلى المادة (49) الفقرة (4) من الدستور العراقي، والتي تُرجمَت إلى قانون الانتخابات الذي ينص على تخصيص ما لا يقل عن 25% من المقاعد للنساء”. وقد ألزمت الآلية التنفيذية الأحزاب السياسية باعتماد نظام “النسبة والتناسب” أي ترشيح امرأة بعد كل ثلاثة رجال في قوائمهم الانتخابية.
ويرى أنه وعلى الرغم من هذا الضمان القانوني، فإن تطبيق الكوتا “ليس نابعاً عن قناعة سياسية بضرورة تمكين المرأة، بل هو إجراء قانوني مفروض، أجبرت معه الأحزاب على إشراك النساء”. ويؤكد أن “التمثيل النسائي لا يزال يُنظر إليه كالتزام شكلي أكثر من كونه خياراً يؤمن بكفاءة النساء ودورهن في الحياة السياسية”.
ولا يتوقف الأمر عند القانون فحسب، بل يمتد إلى “البنية الاجتماعية والثقافية التي تكرّس الموروثات الذكورية والنظرة الدونية للمرأة في المجتمع والسياسة” حسب تعبير جتو، الذي يعتقد بأن هذه العوامل البنيوية هي السبب الأساسي في “قلة عدد النساء المرشحات”.
ويقول: كثيرات منهن يعانين من التهميش والوصم الاجتماعي وانعدام الدعم الحزبي، مما يحول دون خوضهن غمار العمل السياسي بشكل حر ومستقل، وبالتالي، فإن الكوتا وعلى الرغم من أهميتها لا تكفي لوحدها لتحقيق مشاركة سياسية عادلة للنساء بل ينبغي أن تترافق مع تغييرات أعمق في الثقافة السياسية، وتعزيز فرص التمكين وبناء القدرات، وتغيير نظرة المجتمع للأدوار القيادية النسوية”.

الهيمنة الذكورية الحزبية
الباحث في شؤون الأحزاب والأنظمة السياسية أحمد الخضيري، يؤكد بأن “استبعاد النساء” من الترشح للانتخابات في العراق لا يحدث بمحض الصدفة “بل نتيجة عوامل متشابكة تتعلق بالبنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهي تُمارس بشكل غير مباشر من قبل الأحزاب السياسية”.
ويرى أن أغلب الرجال المرشحين يشغلون مواقع قيادية داخل الأحزاب تمنحهم جمهوراً انتخابياً أوسع على عكس النساء اللواتي لا يُمنحن نفس الفرص والمساحات القيادية، مما يضعف حضورهن وتأثيرهن الجماهيري”.
ويتابع:”كما ان الرجال غالباً يمتلكون قدرة مالية أكبر على تمويل حملاتهم الانتخابية بالإضافة الى مواردهم الشخصية وما يحصلون عليه من دعم حزبي في حين تُحرم العديد من النساء من هذا الدعم المالي، ما يعيق قدرتهن على خوض حملات انتخابية فعالة”.
“تفعيل قوانين تمويل الحملات الانتخابية لضمان الشفافية والحد من تأثير المال السياسي”
ويشير الى أن جماهير النساء غالباً ما تكون أقل عدداً وتأثيراً من جماهير المرشحين الذكور “باستثناء حالات نادرة”، ولذلك تتردد الأحزاب في ترشيح النساء أو منحهن مواقع تنافسية فعليّة “ولولا وجود الكوتا النسائية كإجراء قانوني مُلزم، لما شهدنا سوى عدداً محدوداً جداً من النساء المرشحات والمنتخبات”.
وللخروج من هذه المشكلة يقترح الخضيري، تعديل النظام الانتخابي بمراجعة معادلة سانت ليغو، أو اعتماد نظام انتخابي آخر يمنح فرص أكبر للمرشحين الأفراد مثل نظام الدوائر المتعددة أو نظام الأغلبية البسيطة مع ضمان تمثيل عادل للمرأة.
كما يدعو إلى تعزيز دور “الأحزاب الديمقراطية” وتشجيعها على أن تكون أكثر انفتاحاً وشفافية في ترشيح النساء وأن تعتمد على الكفاءة بدلاً من “المحسوبية أو لاستكمال الكوتا فقط”، فضلاً عن دعم المرشحات المستقلات بتوفير دعم مالي ولوجستي لهن من خلال منظمات المجتمع المدني أو إنشاء صناديق دعم حكومية مخصصة لتمكينهن من المنافسة.
ويضيف الى كل ذلك، زيادة الوعي المجتمعي بالعمل على تغيير الصورة النمطية للمرأة في السياسة وتشجيع الناخبين على دعم المرشحات بناءً على كفاءتهن وبرامجهن الانتخابية بغض النظر عن انتمائهن الحزبي أو العشائري.
ويشدد الخضيري على أهمية “تفعيل قوانين تمويل الحملات الانتخابية لضمان الشفافية في تمويل الحملات والحد من تأثير المال السياسي”.
الباحثة فريال الكعبي، توصي من جهتها بضرورة تعديل البيئة السياسية لتكون أكثر شمولاً وأماناً للنساء، عبر “سن قوانين تجرّم العنف السياسي والتمييز بسبب نوع الجنس” بالإضافة الى بناء قدرات النساء في القيادة والإدارة السياسية ودعم مشاركتهن في الأحزاب والمجالس المحلية والقطاعات المؤثرة.
وتدعو إلى دعم إعلامي ومجتمعي يروّج لصورة إيجابية عن المرأة السياسية ويكسر الصور النمطية بشأن دورها.
في حين تدعو رئيسة شبكة النساء العراقيات امل كباشي، إلى ضرورة نشر “الوعي بالحقيقة” والتي تبين بوضوح الفجوة في أعداد المرشحين والمرشحات والذي: “يجسد واقعاً سياسياً غير متكافئ، تعاني فيه النساء من تمييز بنيوي يعوق تقدمهن في المجال العام”.
أما د.سرى جميل حنا، فتقترح إنشاء صندوق حكومي لتقديم الدعم المالي للمرشحات المستقلات حصراً، بالإضافة إلى تقديم الدعم والتمكين السياسي من قبل منظمات المجتمع المدني النسوية، والدعم الإعلامي والمجتمعي. كما تدعو إلى تشديد ضوابط الترشيح للمرشحين، مشترطة أن يكونوا من ذوي الكفاءات والنزاهة.
ويعتمد النظام الانتخابي في العراق بنحو أساسي على التمثيل النسبي للقوائم، مما يمنح أفضلية كبيرة للتحالفات والأحزاب الكبيرة التي تستطيع تجميع الأصوات، وهذا يجعل فوز المرشحين الأفراد بمقعد نيابي، وخاصة النساء منهم، مهمة صعبة للغاية، إلا إذا تمكنوا من حشد دعم جماهيري استثنائي يؤهلهم للمنافسة المباشرة مع القوائم، في حين أن كوتا الأقليات تقدم مساراً مختلفاً للمرشحين الفرديين ضمن إطار محدد.
وقد شهدت الفترة بين عامي 2023-2025 تعديلات على القانون الانتخابي خاصة بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023، وبحسب المدير الأسبق للمفوضية العليا للانتخابات في العراق ورئيس شبكة “جاف” لمراقبة الديمقراطية وحقوق الإنسان، سربست مصطفى رشيد، فان تلك التعديلات التي أقرت في قانون رقم 4 لسنة 2023 “التعديل الثالث” لقانون انتخابات مجلس النواب ومجالس المحافظات والاقضية رقم 12 لسنة 2018، هي الأساس الذي يتم العمل به حاليا، والذي أثر بشكل كبير على نتائج انتخابات مجالس المحافظات التي جرت أواخر 2023.
ومن أبرز تلك التغييرات، العودة إلى نظام القائمة النسبية بطريقة سانت ليغو المعدلة، فبعد أن اعتمدت انتخابات 2021 النيابية نظام الدوائر المتعددة “مقاعد فردية” تم التراجع عن هذا النظام في التعديلات الأخيرة لقانون الانتخابات، ما قلل فرص المرشحين المستقلين.
وعاد القانون الحالي إلى اعتماد نظام القائمة النسبية بمعامل قاسم 1.7 بعد أن كانت 1.9 في فترات سابقة كما أصبحت كل محافظة دائرة انتخابية واحدة بعد أن كانت دوائر متعددة. وهذا يعني أن الناخب يصوت لقائمة انتخابية ضمن محافظته، وتُوزع المقاعد على القوائم الفائزة داخل تلك المحافظة.
المرشحة المستقلة سرى جميل حنا، لم تتمكن من الحصول على موافقة الترشح للانتخابات التي راهنت على الظفر بمقعد فيها، بعد ان تم استبعادها بشكل نهائي عقب رفض الطعن الذي قدمته، كما تقول “بنحو غير قانوني تم استبعادي ومجموعة اخرى من المرشحين المسيحيين، بحجج مختلفة مثلا أن أوراقنا القانونية لم تصل في الوقت المناسب”.
تصمت للحظات ثم تواصل:”لا يمكنني قول كل شيء، لكن من الواضح ان جهات تقف خلف استبعادنا.. هناك لعبة كبيرة ونحن المرشحون المستقلون خارج هذا اللعبة”.
أنجز التقرير بإشراف شبكة نيريج للتحقيقات الاستقصائية





