بعد عام 2003، شهد العراق ولادة نظام سياسي جديد بني على أنقاض الدولة المركزية السابقة، لكنه تأسس على قاعدة هشّة هي المحاصصة الطائفية والإثنية. فقد وضعت سلطة الاحتلال الأميركي بقيادة بول بريمر الأساس الأول لهذا النهج عندما أنشأت مجلس الحكم الانتقالي في تموز 2003، ووزعت مقاعده بين المكونات الدينية والقومية بنسب محددة، لتصبح تلك الخطوة الانطلاقة الفعلية لنظام تقاسم السلطة بين المكونات بدل نظام المواطنة.
ومع كتابة دستور 2005، تعزز هذا المسار عندما تبنت القوى السياسية الصاعدة مبدأ “التوازن والتوافق والشراكة الوطنية”، وهي شعارات تحولت بمرور الوقت إلى غطاء سياسي لتقاسم المناصب والمواقع بين الأحزاب الممثلة للمكونات الرئيسية. ومنذ ذلك الحين، أصبح توزيع المناصب العليا في الدولة يتم وفق عرف سياسي غير مكتوب، يمنح رئاسة الجمهورية للأكراد، ورئاسة الوزراء للشيعة، ورئاسة البرلمان للسنة، واستمر هذا العرف ليشمل الوزارات والمؤسسات والهيئات المستقلة، حتى غدت المحاصصة قاعدة حاكمة يصعب تجاوزها.
وبهذا تحول هذا النظام مع مرور السنين إلى أداة لإدامة النفوذ السياسي وتقاسم موارد الدولة بين الكتل، لا وسيلة لضمان العدالة أو التوازن. فبدل أن تكون المناصب مسؤوليات وطنية، أصبحت مغانم حزبية توزع حسب الولاءات والصفقات، ما أدى إلى تآكل مؤسسات الدولة وتحويلها إلى حصص تتقاسمها القوى النافذة، و نتيجة لذلك، ترسخ الفساد البنيوي في مفاصل الدولة، إذ بات كل حزب أو جهة تتعامل مع المؤسسة التي تديرها كإقطاعية تابعة لها، مما عطل مبدأ المساءلة والمحاسبة، لأن الفاسدين محميون بانتماءاتهم السياسية والطائفية. كما أدى ذلك إلى إضعاف الثقة الشعبية بالعملية السياسية، إذ يشعر المواطن أن صوته الانتخابي لا يغير من واقع الأمر شيئاً، لأن الحكومات تتشكل عبر تفاهمات المحاصصة وليس عبر إرادة الناخبين.
وبذلك، أصبحت المحاصصة الطائفية عرفاً سياسياً يحكم العراق منذ عام 2003 حتى اليوم، يقيد أي إصلاح حقيقي، ويجعل الدولة ساحة لتقاسم النفوذ والمكاسب، لا مشروعاً وطنياً قائماً على الكفاءة والمواطنة والمصلحة العامة، لذلك لن تقوم للدولة العراقية قائمة ولن تتخلص من براثن الفساد والانقاسامات الاّ بانهاء هذا العرف المقيت .
