منار الزبيدي
احياناً نجد أنفسنا دون سابق إنذار واضح في حالة نفور من العمل الذي كان يوماً ما، مصدر شغفنا و معنى وجودنا ليس لأننا لم نعد نؤمن به، بل لأن كلفته النفسية والوجودية ارتفعت إلى حد لم يعد يمكن احتماله بسهولة، نحاول العودة بصعوبة ونفتح الملفات ثم نقرأ، نكتب سطراً أو سطرين، بعدها نتوقف… كأن شيئاً خفياً يشدّنا إلى الخلف… إنه الخوف.
نعم، الخوف الذي لا يأتي دائماً بصورة صريحة، بل يتسرّب كإحساساً ثقيلًا،مصحوباً ب توتراً دائماً كحذراً مفرطًا .. كصوت داخلي يقول: ماذا لو كنتِ التالية؟
في البيئات غير المستقرة، حيث تتحول أخبار الاغتيالات أو التهديدات إلى جزء من الروتين اليومي، لا يعود العمل الصحفي مجرد مهنة، بل يصبح مواجهة مفتوحة مع احتمالات الأذى، وعندما تُستهدف ناشطة أو صحفية، لا يُصاب شخص واحد فقط، بل يرتجف المجال بأكمله تحت وطأة خوف عميق غير مرئي لكنه شديد التأثير..هنا يبدأ ما يمكن تسميته بالتجمّد المهني، وهذا ليس انسحاباً كاملاً بل حالةً معلّقةً بين البقاء والمغادرة، بين الرغبة في الاستمرار والعجز عن الفعل.
هذه الحالة ليست خلاً فردياً بل استجابةً طبيعيةً لضغط نفسي تراكمي ناتج عن التعرض المستمر لقصص العنف والتهديد والظلم، والخطر الواقعي وليس المتخيل، وهو ايضا حالة من الاستجابةً لصراع القيم ” الإيمان بالقضية من جهة والرغبة في حماية الذات والعائلة من جهة اخرى”.
أن ما يحدث داخلنا يتجلى في فقدان الطاقة حتى للأعمال التي نحبها، في شعور لاحساس بالذنب بسبب التأخير أو التوقف،عن العمل وحتى في تجنّب المهام المرتبطة بالخطر، وصعوبةً التركيز واتخاذ القرار، وايضا في نمط الانقطاع والعودة “كالمدّ والجزر” ولهذا فأن العودة المؤقتة للعمل لا تعني أنكِ بخير، والانقطاع لا يعني أنكِ انتهيتِ، بل هو تعبير عن محاولة مستمرة لإيجاد توازن بين الاستمرار والحمايةن حيث لا توجد وصفة سحرية للعودة لكن يمكن البناء على خطوات واقعيةً وليس المطلوب أن نعود بنفس الوتيرة السابقة ويمكن أن يكون “الإنجاز الصغير إنجاز حقيقي” كتابة فقرة واحدة أو إجراء اتصال واحد، أو مراجعة مادة… كلها خطوات تقدّم بعد النكسة.
يمكن أن تبدأ العودة عبر دوائر أمان من خلال اختيار مهام أقل خطورة مثل التحليل بدل التحقيق الميداني، أو التحرير بدل التغطية المباشرة، أو العمل الجماعي بدل الفردي كما أن الاعتراف بالخوف وعدم مقاومته يعتبر خطوةً أساسيةً “المهم ان نفكر .. كيف نعمل رغم وجود الخوف وبحدود آمنة” كما يعتبر الدعم المهني والنفسي مهماً جداً ويشكل فارقاً حقيقياً في تخطي أزمة الخوف مثل ؛ الحديث مع زميلات وزملاء يمرون بالتجربة نفسها ومشاركة الشعور بدل كتمانه وطلب الإسناد عند الحاجة،كل هذه تقلل من ثقل الحالة، لأن العزلة تضخّم المشكلة لكن المشاركة تخففها.
وفي كثير من الأحيان، لا نحتاج أن نعود للعمل بقدر ما نحتاج أن نعود للسبب الذي جعلنا نحبه،لهذا فأن منح النفس إذن التوقف ليس هروباً بل وعياً “التوقف المؤقت الواعي أفضل من الانهيار الكامل” كما أن بناء إيقاع مرن للعودة يساعد على الاستمرار، من خلال البدء بساعات محدودة ومهام محددة وتوقيت واضح للتوقف بدل العودة المفاجئة، هذه الحالة ليست فشلًا مهنيًا، بل ” استجابةً إنسانيةً في سياق غير إنساني” وما يبدو كتعطّل هو في الحقيقة محاولةً عميقةً لحماية الذات.
المهم أن تبقى العلاقة مع العمل حيّة، حتى لو كانت خافتة لأن ما ينطفئ تماماً لا يعود،أما ما يخفت… فيمكن أن يشتعل من جديد ولكن هذه المرة بوعيٍ أكبر وحدودٍ أكثر أماناً.





