أخبار ومقالات

خطأ مهني في الموقع الرسمي لـ مجلس القضاء الأعلى”سردية تُضعف الضحية وتفتح باب التبرير للجريمة”

حين تكون اللغة غير عادلة تجاه المرأة

منار الزبيدي

ليست المشكلة في نقل خبر جريمة بحد ذاته، فالتوثيق والنشر جزء من حق الجمهور في المعرفة، لكن الإشكالية تبدأ حين تتحول اللغة إلى أداة تُخفي العنف بدل أن تكشفه، أو تُعيد إنتاج سردية تُحمّل الضحية جزءاً من المسؤولية عمّا تعرّضت له. وتبلغ هذه الإشكالية مستوى أكثر خطورة حين يصدر هذا الخطاب عبر منصة رسمية تمثل العدالة نفسها، لأن ما يُنشر هنا لا يُقرأ بوصفه رأياً أو معالجة إعلامية، بل يُفهم بوصفه تعبيراً عن منطق العدالة ومعاييرها.

في النص المعنون «قصرت في واجبها.. فماتت صعقا على يد الزوج» المنشور عبر موقع مجلس القضاء الاعلى  لا يُختل التوازن السردي فحسب، بل يُمسّ جوهر العدالة من خلال اللغة ذاتها. فافتتاح العنوان بعبارة  تلمح الى ادانة الضحية ، قبل تثبيت أي توصيف قانوني للفعل، يُعيد ترتيب مواقع المسؤولية على نحو معكوس: الضحية في موضع مساءلة، والجاني خارج إطار التسمية الصريحةأن هذا الانزياح لا يُعد مجرد ضعف في الصياغة، بل انحراف عن مبدأ أساسي من مبادئ المهنية والانصاف.

كما أن استخدام فعل «ماتت» بدلاً من توصيف الفعل  كجريمة قتل، يُضعف الدلالة القانونية للواقعة، ويُفرغها من طبيعتها الجنائية. فالعدالة تبدأ من التسمية الدقيقة، لأن اللغة هنا ليست وسيلة نقل فقط، بل أداة توصيف قانوني تُحدد طبيعة الفعل وموقعه. وعندما تُخفف اللغة من حدة الجريمة، فإنها تُضعف بالضرورة من وضوح الإدانة، وتفتح المجال أمام قراءات ملتبسة لا تنسجم مع مبدأ الحسم الذي يفترض أن يميز الخطاب الاعلامي عبر الفضاء القضائي.

 

داخل المتن، يتعمق هذا الخلل من خلال إعادة بناء الواقعة ضمن إطار “خلافات زوجية” وهو توصيف يُستخدم لتسطيح جرائم العنف الأسري وتحويلها من انتهاكات جسيمة إلى نزاعات يومية. هذا النمط لا يكتفي بإضعاف توصيف الجريمة، بل يُنتج أثراً أخطر يتمثل في إعادة تأطيرها اجتماعياً بطريقة تُخفف من وطأتها. وهنا، لا يعود الخلل في السرد فقط، بل في رسالة المحتوى الذي يصدر عبر موقع يُفترض أنه يرسّخ الحدود الواضحة بين الجريمة وما دونها من ناحية اعلامية مهنية حيادية .

أن الأكثر إشكالاً من ذلك هو منح الجاني مساحة سردية واسعة لعرض مبرراته أمام الرأي العام، في مقابل تغييب شبه كامل للمرأة الضحية، هذا التفاوت لا يُخل فقط بالتوازن، بل يُنتج ما يمكن وصفه بـ”أحادية التعاطف”، حيث يُعاد توجيه الانتباه والتفهم نحو الجاني، بينما تُقصى الضحية من مركز الاهتمام كما أن هذا النمط لا يتوقف عند حدود السرد، بل يُعيد تشكيل الإدراك العام للجريمة فعندما تُقدَّم تفاصيل نفسية واجتماعية عن الجاني، وتُستعرض ظروفه ومعاناته، يُبنى تدريجياً إطار تفسيري يجعل الفعل قابلاً للفهم،. في المقابل، حين تُختزل الضحية إلى واقعة أو نتيجة، دون اسم أو سياق أو صوت، فإنها تُجرد من إنسانيتها، وتتحول من صاحبة حق منتهك إلى عنصر هامشي في قصة يهيمن عليها الفاعل.

وهنا تكمن الخطورة العميقة، ليس فقط في اختلال التوازن، بل في وضع المهنية المطلوبة داخل النص. فبدلاً من أن يكون مركز الثقل في الجريمة هو الفعل المرتكب ضد الضحية، ينتقل هذا المركز إلى دوافع الجاني وسياقه، وكأن فهمه يسبق إدانته. هذا التحول يُنتج بيئة سردية يُنظر فيها إلى الجريمة كـ”نتيجة” أكثر من كونها “انتهاكاً”، وهو ما يضعف الإحساس العام بخطورتها.

في سياق العدالة الاعلامية، لا يُعد هذا مجرد خلل سردي، بل مساس مباشر بمبدأ الإنصاف. لأن العدالة، في جوهرها، لا تقوم على توزيع التعاطف بين الأطراف، ولا على موازنة المشاعر، بل على تثبيت الحق وتحديد المسؤولية بشكل واضح وحاسم. وعندما يُعاد توجيه التعاطف نحو الجاني ولو كان غير متعمد  فإن ذلك يُربك هذا المبدأ، ويُضعف وضوح موقع الضحية بوصفها الطرف الذي تعرّض لانتهاك جسيم.

كما أن “أحادية التعاطف” تُنتج أثراً تراكمياً في الوعي العام، خاصة في جرائم العنف الأسري وقتل النساء، حيث تتداخل العوامل الاجتماعية مع السرد الإعلامي. فكل مرة يُمنح فيها الجاني مساحة تفسير واسعة، دون موازاة ذلك بإبراز حق الضحية، يُعاد ترسيخ فكرة أن هذه الجرائم يمكن فهمها ضمن سياقها، لا رفضها كلياً. ومع التكرار، يتحول هذا الفهم إلى نوع من القبول الضمني، أو على الأقل إلى تراجع في حدّة الرفض.

والأخطر أن هذا النمط، حين يصدر عبر موقع خاص بجهة رسمية، لا يُقرأ كاختيار سردي عابر، فالمؤسسات القضائية لا تُنتج أحكاماً فقط، بل تُنتج خطاباً يحدد موقع كل طرف” من هو صاحب الحق، ومن هو المسؤول عنه” وعندما يختل هذا التحديد داخل النص، فإن ذلك لا يؤثر على الانطباع العام فحسب، بل يُربك أيضاً المعايير التي يُفترض أن تكون واضحة وثابتة.

إن إنصاف الضحية في هذا السياق لا يتحقق بمجرد ذكرها، بل بإعادتها إلى مركز السرد بوصفها إنسانة سُلب منها حقها في الحياة، وبمواجهة أي خطاب يُحاول، بشكل مباشر أو غير مباشر، نقل مركز الاهتمام إلى الجاني أو تبرير فعله. فالمعادلة هنا ليست بين طرفين متكافئين، بل بين اعتداء جسيم وحق منتهك، وأي انحراف عن هذا الوضوح لا يُعد خللاً في الصياغة فحسب، بل مساساً بجوهر العدالة ذاتها.

وتتضاعف خطورة هذا الانحراف حين يتعلق بجرائم قتل النساء، ولا سيما تلك التي تقع داخل إطار الأسرة، حيث تتطلب معالجة أكثر دقة وحساسية، نظراً لما يحيط بها من أنماط اجتماعية قد تُستدعى لتخفيف الجريمة أو تبريرها. وعندما يُعاد إنتاج هذه الأنماط داخل خطاب صادر عن موقع رسمي لمؤسسة قضائية، فإن الخلل لا يقتصر على إضعاف موقع الضحية، بل يمتد ليقوّض قدرة منصة  العدالة على تقديم موقف واضح وحاسم إزاء هذا النوع من الجرائم.

وهنا تحديداً تكمن الكارثة: أن يصدر مثل هذا الخطاب عبر الموقع الرسمي لمجلس القضاء الأعلى. فهذه المنصة لا تُعد مساحة نشر عادية، بل واجهة تعكس تصور المؤسسة للعدالة، وللغة التي تُعبّر عنها. وما يُنشر فيها يكتسب صفة معيارية، يُحتذى بها ويُعاد إنتاجها في الخطاب العام. وعليه، فإن أي خلل في هذا المستوى لا يبقى محصوراً في نص، بل يتحول إلى نموذج يُضعف المعايير بدل أن يرسّخها.

إن العدالة لا تُختزل في إصدار الأحكام، بل تمتد إلى كيفية عرض الوقائع، وتوصيف الأفعال، وتحديد مواقع المسؤولية بلغة واضحة لا لبس فيها. وعندما تختل هذه اللغة، فإن الخلل لا يكون لغوياً فقط، بل مؤسسياً، لأنه يمس أحد أدوات العدالة الأساسية: الخطاب الذي يُعبّر عنها أمام المجتمع.

لذلك، فإن المسؤولية المهنية والانسانية تقتضي من مجلس القضاء الأعلى وسائر المؤسسات الرسمية إعادة النظر في منهجية صياغة ونشر هذا النوع من المحتوى، واعتماد معايير صارمة تضمن دقة التوصيف، وعدم إدراج أي عناصر قد تُفهم كتخفيف للجريمة أو لوم للضحية، مع إخضاع النصوص لآليات تدقيق قبل النشر. فالمحتوى الصادر عن هذه الجهات ليس عابراً، بل يُسهم في تشكيل الوعي القانوني، وأي انحراف فيه ينعكس مباشرة على صورة العدالة ذاتها.

أخيراً، يجب أن نذّكر بإن صون العدالة لا يقتصر على ما يصدر داخل قاعة المحكمة، بل يبدأ من اللغة التي تُكتب باسمها. وهنا لابد أن تُنصف هذه اللغة الضحية و أن تُوصف الفعل توصيفاً قانونياً دقيقاً، كما أن إتاحة مساحة عادلة لصوت الضحية، وتثبيت المسؤولية القانونية للجاني، وترسيخ قيم الإنصاف، لا تُعد خيارات تحريرية، بل التزامات تفرضها طبيعة الدور المؤسسي. فالمحتوى الصادر عن الجهات الرسمية يُشكّل مرجعاً يسهم في بناء الوعي العام وتعزيز الثقة بالمؤسسات. وعليه، فإن أي إخلال بهذه المعايير لا ينعكس على النص وحده بل يمتد أثره ليشمل العلاقة بين العدالة والإعلام، بما يؤثر في طريقة تشكيل الرأي العام وتناول القضايا.

زر الذهاب إلى الأعلى