الاسرة والمجتمع

ليلى لم تلتق بالذئب

دعاء عبد الأمير

في الحكاية القديمة، كانت ليلى تسير في الغابة فاعترض طريقها الذئب. كان الخطر واضحا، والعدو معروفا، والنهاية درسا يحكى للاطفال قبل النوم، لكن ليلى هذه المرة لم تدخل غابة، ولم تضل طريقها، ولم تقترب من وحش. ليلى كانت طفلة في مدينة، في مكان عام، وسط الناس، تحت الاضواء، وفي ليلة يفترض انها للاحتفال.

في مدينة يفترض ان تكون واجهة للفرح، تحول كورنيش البصرة ليلة راس السنة الى مسرح لجريمة صادمة. طفلة تعرضت لتحرش جماعي في مكان عام امام انظار العشرات، في حادثة كشفت حجم الخلل الاخلاقي والاجتماعي الذي يهدد امن الاطفال والنساء في الاماكن العامة.
الواقعة التي وثقها مقطع متداول على مواقع التواصل الاجتماعي لم تكن تصرفا فرديا او حادثة عابرة، بل سلوكا جماعيا يعكس سهولة الاعتداء والاستهانة بكرامة الانسان، والاخطر من ذلك غياب الرادع الاجتماعي في لحظة كان يفترض ان يتدخل فيها الجميع.

حادثة “طفلة الكورنيش” تعيد الى الواجهة سوالا مقلقا: هل ما جرى حالة فردية ام انعكاس لواقع يتكرر بصمت؟
كثيرون يرون ان الجريمة لم تكن لتحدث بهذا الشكل لولا شعور المتورطين بانهم في مامَن من المحاسبة، وان التحرش في الاماكن العامة غالبا ما يواجه بالتجاهل او التبرير.

الحادثة لم تصب الضحية وحدها، بل شكلت صدمة لكل النساء والفتيات في العراق. التحرش في الاماكن العامة يولد خوفا دائما، ويقيد حرية الحركة، ويزرع شعورا بعدم الامان في كل زاوية. كما يعكس فجوة كبيرة بين نصوص القانون وتطبيقه الفعلي، ويبعث رسالة ضمنية مفادها ان الاعتداء على النساء والفتيات قد يتم التغاضي عنه.

ولذلك تعاني النساء والفتيات اللواتي يتعرضن للتحرش يعانين من قلق مستمر، شعور بالعار، فقدان الثقة بالنفس، والخوف من الاماكن العامة. هذه الحوادث لا تنتهي عند لحظتها، بل تترك اثرا طويل المدى على حرية النساء وحقهن في الامان.

ان ما حدث يؤكد ان القوانين وحدها لا تكفي. المطلوب وعي مجتمعي حقيقي، وعقوبات صارمة دون تساهل، واجراءات واضحة تشمل مراكز استقبال وشكاوى فورية وامنة، وتطبيقا صارما للقوانين التي تحمي الاطفال والنساء دون استثناء.

صرخة الطفلة ليست حادثة عابرة، بل تحذير واضح لمجتمع لم يوفر الحماية الكاملة لاضعف افراده. العدالة ليست عقوبة فقط، بل تغيير حقيقي في الثقافة والسلوك وتطبيق القانون”كل طفلة وكل امراة تستحق ان تسير في مدينتها دون خوف، وان يكون القانون هو الحامي، لا الغائب”.

زر الذهاب إلى الأعلى