لم تكن القضية التي انتهت بحكم قضائي بالإعدام على زوج، والحبس على زوجته، مجرد جريمة قتل نشأت عن خلاف مالي عابر. فخلف الوقائع الجنائية التي انتهت بها القضية، تكمن بنية أعمق وأكثر تعقيدًا من العنف الاقتصادي والاستغلال القائم على اختلال موازين القوة داخل العلاقات الاجتماعية والأسرية، حيث يتحول جسد المرأة إلى أداة تفاوض ضمن اقتصاد غير رسمي تحكمه الهيمنة والاحتياج.
أن هذه القضية، وفق ما كشفته الأحكام القضائية، لا تقف عند حدود جريمة قتل، بل تفتح الباب أمام قراءة اجتماعية وقانونية أوسع لنمط من العنف المسكوت عنه، حيث تتقاطع الحاجة الاقتصادية مع السلطة الذكورية لتنتج أشكالًا مركبة من الاستغلال. وهنا يبرز السؤال الأهم: هل نحن أمام حادثة فردية معزولة، أم أمام انعكاس لبنية اجتماعية تسمح بإعادة إنتاج هذا النوع من العنف ضد النساء؟

العنف الاقتصادي: عندما تتحول الحاجة إلى أداة سيطرة
في الأدبيات النسوية، لا يُفهم العنف ضد النساء بوصفه عنفًا جسديًا فقط، بل بوصفه منظومة متكاملة من السيطرة تمتد إلى المجال الاقتصادي والاجتماعي. فالعنف الاقتصادي لا يقتصر على حرمان المرأة من العمل أو السيطرة على دخلها، بل يشمل أيضًا استغلال احتياجاتها المعيشية أو احتياجات أسرتها للضغط عليها وإجبارها على الانخراط في ممارسات تمس كرامتها أو حريتها.
وفي هذه السياقات، يصبح الجسد الأنثوي أداة تفاوض داخل اقتصاد خفي قائم على الهيمنة، حيث تُدفع المرأة تحت ضغط الحاجة أو التبعية إلى المقايضة بجسدها أو بسمعتها مقابل المال أو تسوية الديون أو حتى تأمين موارد أساسية للحياة.
هذا النمط من الاستغلال تصفه الأدبيات النسوية بـ”تشييء الجسد الأنثوي”، أي تحويل المرأة من شخص كامل الحقوق والكرامة إلى وسيلة ضمن شبكة من العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة. وعندما يحدث ذلك داخل إطار الأسرة أو العلاقات القريبة، يصبح العنف أكثر تعقيدًا، لأنه يتخفى خلف روابط اجتماعية يُفترض أنها تقوم على الحماية والثقة.
بين الجريمة والاستغلال: معضلة المسؤولية
من الناحية القانونية، يجرّم القانون العراقي القتل والاشتراك فيه بوضوح، كما يجرّم الاتجار بالبشر بموجب قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2012، الذي يشمل أشكال الاستغلال المختلفة، خصوصًا تلك القائمة على استغلال حالة الضعف أو الحاجة.
لكن في قضايا كهذه، يظهر تحدٍ قانوني حساس: هل كانت المرأة طرفًا فاعلًا بكامل الإرادة، أم أنها كانت جزءًا من علاقة قوة مختلة جعلت خياراتها محدودة أو مشروطة بالضغط والتهديد؟
هذا السؤال لا يهدف إلى إنكار المسؤولية الجنائية، بل إلى فهم السياق الذي تتشكل فيه القرارات داخل علاقات غير متكافئة. فالتمييز بين الجاني والضحية في حالات الاستغلال المركب يتطلب قراءة أعمق لعلاقات القوة داخل الأسرة، ولمدى تأثير الفقر أو التبعية الاقتصادية أو الخوف من العنف أو الفضيحة على حرية القرار.
المقايضة مقابل المخدرات: الاستغلال المركب
لا تتوقف بعض هذه الحالات عند حدود الديون المالية، بل تتداخل أحيانًا مع ظواهر أخطر مثل استغلال النساء مقابل مواد مخدرة، أو توظيفهن ضمن شبكات غير رسمية لتسوية النزاعات المالية، أو إخضاعهن لابتزاز قائم على التهديد بالفضيحة أو العنف الأسري.
في هذه الحالات يتشكل ما يمكن وصفه بـ”الاستغلال المركب”، حيث تتقاطع ثلاثة عوامل رئيسية: الفقر، والإدمان، والهيمنة الذكورية. هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة تُختزل فيها النساء إلى أوراق تفاوض، بينما تُمارس الضغوط عليهن داخل دائرة مغلقة من الخوف والاحتياج.
ويفاقم من خطورة هذه الظاهرة عاملان أساسيان: الصمت المجتمعي والوصم الاجتماعي. فكثير من هذه الحالات لا تصل إلى القضاء أصلًا، لأن الضحايا يخشين الإبلاغ بسبب الخوف من الفضيحة، أو بسبب تبعيتهن الاقتصادية لمن يمارس عليهن الاستغلال، أو بسبب غياب شبكات دعم قادرة على حمايتهن.
في بيئات تعاني من هشاشة اقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، يتحول الاحتياج إلى أداة ابتزاز، وتصبح بعض النساء عرضة لما يمكن تسميته بـ”الابتزاز القائم على الفقر”.
الجرائم التي لا تُرى: العنف خلف الستار
رغم أن بعض القضايا تصل إلى القضاء وتتحول إلى رأي عام، إلا أن كثيرًا من حالات الاستغلال الاقتصادي والابتزاز القائم على جسد المرأة تبقى خلف الستار، حيث لا تعرف الضحايا طريق الإبلاغ، أو يخشين العواقب الاجتماعية والأمنية التي قد تترتب عليه.
فالخوف من الانتقام أو الثأر يشكل أحد أبرز العوائق أمام كشف هذه الجرائم، خصوصًا في ظل تزايد حالات قتل النساء تحت مسميات ما يعرف بـ”جرائم الشرف” أو “غسل العار”. هذه الجرائم، التي تُرتكب غالبًا بدافع السيطرة الاجتماعية على جسد المرأة وسلوكها، لا تزال تجد في بعض مواد القانون العراقي ما يُعرف بـ”العذر المخفف”، وهو ما يخلق شعورًا لدى بعض الضحايا بأن طلب الحماية قد يقودهن في النهاية إلى خطر أكبر.
كما أن محدودية دور الإيواء الآمنة للنساء في المحافظات العراقية تشكل تحديًا إضافيًا. فرغم وجود بعض المبادرات الإنسانية، ومنها دور إيواء مرتبطة بمؤسسات دينية في كربلاء، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة مقارنة بحجم الحاجة، ولا تشكل شبكة حماية وطنية قادرة على استيعاب الحالات المعرضة للخطر.
ولا تقف التحديات عند هذا الحد. فقد تعرضت بعض مراكز تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للنساء في فترات سابقة لحملات تشويه وتسقيط علنية، استهدفت العاملين فيها وحتى أفراد الحماية الأمنية المكلفين بحمايتها، عبر اتهامات تمس السمعة والشرف. مثل هذه الحملات لا تضر بالمؤسسات فقط، بل تبعث برسالة تخويف للضحايا مفادها أن طلب المساعدة قد يعرّضهن لمزيد من الوصم أو التشهير.
إلى جانب ذلك، تواجه كثير من النساء عوائق أخرى تتعلق بضعف المعرفة القانونية، وقلة الحيلة الاقتصادية، والخوف من القتل أو الانتقام الأسري، وهي عوامل مجتمعة تخلق دائرة مغلقة من الصمت تمنع كشف هذه الجرائم.
الأمن الإنساني للنساء: ما الذي يقوله القرار 1325؟
رغم أن قرار مجلس الأمن 1325 حول المرأة والأمن والسلام يرتبط غالبًا بسياقات النزاعات المسلحة، إلا أن جوهره المفاهيمي يتجاوز الحرب ليشمل مفهوم الأمن الإنساني للنساء.
فالقرار يؤكد ضرورة حماية النساء من جميع أشكال العنف التي تهدد أمنهن الشخصي والمجتمعي، كما يدعو إلى بناء مؤسسات قادرة على الاستجابة لهذه الانتهاكات وضمان وصول النساء إلى العدالة.
وفي العراق، تبنّت الحكومات المتعاقبة خططًا وطنية لتنفيذ القرار 1325 ركزت على حماية النساء من العنف وتعزيز سيادة القانون وتطوير آليات الاستجابة المؤسسية.
وعلى الرغم من أن القضية المطروحة لا تقع ضمن سياق نزاع مسلح، إلا أنها تمس جوهر ما يتحدث عنه القرار من زاوية الأمن المجتمعي. فعندما تُستغل امرأة تحت ضغط الحاجة أو الهيمنة، وعندما يُستخدم جسدها كوسيلة لتسوية النزاعات المالية، فإن ذلك يشير إلى خلل في منظومة الحماية ويقوض مفهوم الأمن الإنساني الذي يشكل أحد المرتكزات الأساسية للقرار.
ما بعد الأحكام القضائية: كيف يمكن منع تكرار المأساة؟
قد تحسم الأحكام القضائية المسؤولية الجنائية للأطراف المتورطة، لكنها لا تعالج الجذور البنيوية التي تسمح بحدوث مثل هذه الجرائم. فالمشكلة لا تكمن فقط في الفعل الإجرامي ذاته، بل في البيئة الاجتماعية والاقتصادية والقانونية التي تجعل النساء عرضة لهذا النوع من الاستغلال، ولذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة شاملة تتضمن عدة مسارات متكاملة،
أولها تعزيز التمكين الاقتصادي للنساء عبر سياسات تشغيل وتدريب وتمويل صغيرة تقلل من التبعية الاقتصادية داخل الأسرة، لأن الاستقلال الاقتصادي يمثل أحد أهم أدوات الحماية من الابتزاز والاستغلال.
وثانيها تطوير الإطار القانوني بما يضمن حماية النساء من جميع أشكال العنف، بما في ذلك مراجعة المواد القانونية التي تمنح أعذارًا مخففة في جرائم ما يسمى “الشرف”، لأنها تضعف الردع وتخلق بيئة تشعر فيها بعض النساء بأن العدالة قد لا تحميهن.
أما المسار الثالث فيتعلق بـ توسيع شبكة دور الإيواء الآمنة في مختلف المحافظات العراقية، بإدارة مهنية وضمن إطار قانوني واضح، بحيث توفر حماية فورية للنساء المهددات بالعنف أو الانتقام.
كما أن حماية مراكز الدعم النفسي والاجتماعي من حملات التشويه والتسقيط تعد خطوة ضرورية، لأن هذه المراكز تمثل في كثير من الأحيان خط الدفاع الأول أمام النساء اللواتي يبحثن عن مخرج آمن من دائرة العنف.
إلى جانب ذلك، تبرز أهمية التوعية القانونية والمجتمعية لتمكين النساء من معرفة حقوقهن وطرق الإبلاغ والحماية، إضافة إلى بناء ثقة أكبر بين الضحايا والمؤسسات العدلية والأمنية.
وأخيراً، فإن كسر ثقافة الصمت المجتمعي حول هذه الجرائم يمثل خطوة أساسية في تفكيك اقتصاد العنف غير المرئي الذي يُبقي كثيرًا من النساء داخل دائرة الاستغلال.
فالقضية التي بدأت كجريمة قتل قد تكون، في جوهرها، مرآة لواقع أوسع لواقع تتحول فيه بعض النساء إلى أدوات ضمن اقتصاد غير معلن من السيطرة والابتزاز، ومواجهة هذا الواقع لا تتطلب العدالة الجنائية فقط، بل إرادة اجتماعية ومؤسسية لحماية كرامة النساء وحقهن في العيش بأمان وحرية.




