يُعدّ استقلال القضاء حجر الأساس في توفير الضمانات القانونية الفاعلة لحماية حقوق المرأة، بوصفه السياج الذي يحمي العدالة من التسييس، ويكفل تطبيق القانون على أساس المساواة لا النفوذ. ففي المجتمعات التي تتعرض فيها النساء لأشكال متعددة من التمييز والانتهاكات، لا تصبح النصوص القانونية وحدها كافية، ما لم تتوافر سلطة قضائية مستقلة قادرة على إنفاذها دون خوف أو محاباة.
إن القضاء المستقل يمكّن النساء من اللجوء الآمن إلى العدالة، ويمنحهن الثقة بأن حقوقهن ستُنظر بميزان القانون لا باعتبارات اجتماعية أو ثقافية أو سياسية. وفي قضايا الأحوال الشخصية، على سبيل المثال، يشكل القاضي المستقل صمام أمان يحول دون تحوّل القوانين إلى أدوات لإدامة الظلم أو تكريس التمييز، ويضمن تفسير النصوص بروح العدالة وحماية الكرامة الإنسانية. أما في قضايا العنف الأسري والتحرش والتمييز الوظيفي، فإن استقلال القضاء يحدّ من الضغوط التي كثيراً ما تُمارس لإغلاق الملفات أو تسويفها، ويمنح الضحايا فرصة حقيقية للإنصاف.
ولا تقتصر أهمية استقلال القضاء على إنصاف المرأة في القضايا الفردية، بل تتجاوز ذلك إلى دوره البنيوي في ترسيخ الردع العام. فحين يكون القضاء قادراً على محاسبة الجناة مهما كانت مواقعهم الاجتماعية أو السياسية، تتحول القوانين الرادعة لانتهاكات حقوق المرأة من نصوص معطّلة إلى أدوات فاعلة، ويتراجع الشعور بالإفلات من العقاب الذي يغذي العنف والتمييز. كما أن الأحكام القضائية العادلة تشكل مرجعية أخلاقية وقانونية تسهم في تغيير السلوك المجتمعي وتعزيز ثقافة احترام حقوق المرأة.
في المقابل، فإن أي مساس باستقلال السلطة القضائية ينعكس مباشرة على هشاشة الوضع القانوني للمرأة. فالقضاء الخاضع للضغوط أو التدخلات يفقد قدرته على حماية الفئات الأضعف، وتصبح المرأة أول المتضررين، إذ تُعلّق قضاياها، أو تُحسم وفق توازنات القوة لا مقتضيات العدالة. ومع تراكم هذه الممارسات، تتآكل الثقة بالمؤسسات العدلية، ويتراجع إيمان النساء بجدوى اللجوء إلى القانون، ما يدفع كثيرات إلى الصمت أو القبول بالأمر الواقع.
إن حماية استقلال القضاء ليست شأناً قضائياً فحسب، بل ضرورة دستورية ومجتمعية تمسّ صميم مشروع الدولة العادلة. فهي شرط لترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون، وضمان فعلي لحقوق المرأة، وبناء دولة قانون تحترم الكرامة الإنسانية وتصون الحقوق دون تمييز. ومن دون قضاء مستقل، تبقى حقوق المرأة رهينة الشعارات، أما بوجوده، فإن العدالة تتحول من وعد نظري إلى واقع ملموس.
وبناءً على ما تقدّم، يمكن القول بإن العلاقة بين استقلال القضاء وضمان تطبيق حقوق المرأة علاقة طردية واضحة، فكلما ترسّخ استقلال السلطة القضائية تعزّزت قدرة القانون على حماية النساء وإنصافهن، وكلما تراجع هذا الاستقلال تقلّصت الضمانات وتحولت الحقوق إلى نصوص شكلية. إن قضاءً حراً ونزيهاً هو الشرط الجوهري لتحويل حقوق المرأة من مبادئ معلنة إلى واقع مُعاش، ومن دون ذلك تبقى العدالة منقوصة والمساواة مؤجلة.





