لا يمكن فهم موجة التشهير التي تلاحق النساء بعد مقتلهن في العراق بوصفها مجرد انحراف أخلاقي عابر أو انفلات في التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي بل هي تعبير مكثف عن بنية اجتماعية عميقة تُعيد إنتاج نفسها كلما وقعت جريمة وتكشف عن منظومة قيم مختلة في توزيع السلطة والمسؤولية بين الجنسين ففي هذه البنية لا يُنظر إلى المرأة كفرد مستقل يمتلك حقه الكامل في الحياة والكرامة بل بوصفها حاملةً لما يُسمى بالشرف الجماعي هذا المفهوم لا يعمل كقيمة أخلاقية بقدر ما يعمل كآلية ضبط اجتماعي تُفرض من خلالها رقابة صارمة على سلوك النساء في حين يُترك سلوك الرجال في مساحة أوسع من التسامح أو التغاضي وبذلك يصبح جسد المرأة وسلوكها جزءاً من ملكية رمزية للجماعة وليس شأناً فردياً، و عندما تقع جريمة قتل بحق امرأة تتحرك هذه البنية فوراً لإعادة تفسير الحدث بما يحفظ تماسكها الداخلي فبدلاً من الاعتراف بأن الجريمة هي نتيجة لعنف غير مشروع يُعاد تأطيرها كاستجابة مبررة لانتهاك مفترض لقواعد الشرف هنا لا يجري البحث عن الحقيقة بل عن سردية تُعيد التوازن الرمزي للنظام الاجتماعي ولذلك يُستدعى خطاب الشك والتشكيك ليس لأنه قائم على أدلة بل لأنه يخدم وظيفة تبريرية.
نموذج الخبر المنشور عبر شبكة يلا “يلا Yalla – محامية لفظت أنفاسها الأخيرة على يد والدها….. | Facebook” يكشف عن هذا النمط من التفكير الذي يرتبط بما يمكن تسميته ب اقتصاد اللوم حيث يُعاد توزيع المسؤولية بطريقة تضمن بقاء الهيكل القائم دون مساءلة و تحميل الضحية جزءً من الذنب أو كله ل يُخفف الضغط الأخلاقي عن المجتمع ويُجنب مواجهة حقيقة أكثر إزعاجاً أن العنف ضد النساء ليس حادثاً استثنائياً بل نتيجة منطقية لبنية تسمح به، الأخطر أن هذا الخطاب لا يقتصر على تبرير الجريمة بل يمتد إلى إنتاج عنف رمزي موازٍ فالتشهير بالضحية بعد موتها وتفكيك سمعتها وإعادة صياغة قصتها وفق الشائعات كلها ممارسات تُعيد نزع إنسانيتها هذه العملية لا تُلحق الضرر بالضحية وحدها بل تُرسل رسالة ضمنية إلى جميع النساء إن الخروج عن الأدوار المرسومة أو حتى الاشتباه بذلك قد يعرّضكن ليس فقط للعنف بل أيضاً لفقدان التعاطف والعدالة، وهنا وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً كاشفاً في هذا السياق فهي لم تُنتج هذه البنية لكنها أتاحت لها فضاءً مفتوحاً للظهور والتكثيف ما كان يُتداول ضمن دوائر ضيقة أصبح اليوم خطاباً عاماً تتكرر فيه نفس الأنماط الشك والتشهير وتبرير العنف هذه المنصات كشفت أن المشكلة ليست في قلة الوعي الفردي بل في رسوخ منظومة فكرية تُعيد إنتاج نفسها جماعياً
والحقيقة أن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في أثرها على الضحايا بل في قدرتها على تطبيع العنف حين يُبرَّر القتل أو يُفهم كاستجابة محتملة يتحول من جريمة استثنائية إلى خيار وارد ضمن مخيال اجتماعي وهذا بحد ذاته يفتح الباب أمام تكرار الجرائم لأن الردع الأخلاقي يتآكل والمسؤولية تُموَّه، إضافة إلى ذلك يُنتج هذا الخطاب فجوة عميقة في الثقة بين الأفراد ومنظومة العدالة فإذا كان الحكم الاجتماعي يُصدر إدانته قبل التحقيق ويُعيد صياغة الوقائع وفق الأهواء فإن فكرة العدالة القانونية نفسها تفقد معناها وهنا لا تُظلم الضحية فقط بل يُصاب المجتمع ككل بخلل في إدراكه لمفهوم الحق والإنصاف حيث أن استعادة التوازن لا يبدأ فقط بإدانة الجريمة بل بتفكيك الخطاب الذي يحيط بها المطلوب هو إعادة تعريف الشرف كقيمة أخلاقية فردية لا تُستخدم كأداة للسيطرة وترسيخ مبدأ أن المسؤولية الجنائية فردية لا جماعية وأن أي عنف مبرر هو في جوهره عنف مشروعنته الثقافة لا القانون.
في النهاية يكمن… السؤال الحقيقي في: لماذا يحتاج المجتمع إلى اتهام الضحية ؟ والإجابة بكل تأكيد ترتبط في بنية مجتمعية تعيد إنتاج العنف وتبرره، وما لم تُفكك هذه البنية سيبقى كل حديث عن العدالة ناقصاً وكل جريمة قابلة للتكرار مع سبق الإصرار والترصّد.




