ينار لن تموت ….. لانها لم تكن يوما امرأة عادية تقتل او تموت ثم تدفن وينتهي كل شيء معها. مطلقا، فهي امرأة مختلفة بفكرها وشجاعتها ورأيها ودفاعها عن النساء المظلومات اللواتي لم يستطعن الدفاع عن انفسهن، الى الان اتذكر كيف جازفت هي وفريقها في احتضان وايواء الاف النساء الضحايا اللواتي لم يجدن مخبأ يحميهن من سطوة القتلة والمجرمين. ودفعت ينار ثمن ذلك حين تعرضت منظمتها لمحاولات الغلق من قبل جهة حكومية، وكانت تهمتها الوحيدة “ايواء النساء” ومعظمهن هاربات من قضايا الشرف والعنف الاسري.
في الوقت الذي كانت فيه كثير من الاصوات النسوية تتحدث عبر منابر الاعلام وفعاليات الجهات الحكومية والدولية عن حقوق المرأة، كانت ينار تفعل ذلك على الارض. نعم، لا يسمح القانون لان تؤوي منظمة مجتمع مدني اي ضحية نسوية داخل مقرها او في ملجأ سري آمن، لكن كيف يمكن الوقوف بلا حيلة امام سيل من المعنفات والضحايا العاجزات عن حماية انفسهن؟
رغم وجود عشرات النساء في مناصب القيادة الحكومية، لم يقدمن ما قدمته ينار ومنظمتها “حرية المراة” التي اطلقتها لتكون مساحة امنة تحتضن من لا حيلة لها وتلجأ اليها لحماية روحها من الغدر والقتل، فقد جازفت بكل ما لديها، بروحها ومالها، وتركت اسرتها خارج العراق فقط لتخدم قضيتها وما تؤمن به تجاه حماية وحرية المرأة في العراق.
ما زلت اتذكر نص حديثها بعد تلك الملاحقة القضائية حين قالت “ان عملية رفع الشكوى القضائية ضدي كانت تتضمن عملية ارهاب واسكات لصوت نسوي تحرري، ولا اريد ان اقول انهم نجحوا في ذلك، ولكني ارى نفسي اقل اندفاعا في الكلام على عموم المجتمع، واكثر انطواء لأن ابقى داخل مبنى المنظمة خوفا من اية ملاحقة جديدة.”
لم تكن حمايتها للنساء فقط، بل لاطفالهن ايضا، فقدمت ما لم تقدمه اي منظمة اخرى واي جهة حكومية رغم امكانياتها المحدودة. كم من الارواح استطاعت ان تحميها من القتل والبطش.
لكنها في نهاية الامر دفعت روحها ثمنا لذلك.
ربما تخاف الكثير من النساء اليوم ان ترثي ينار، تلك المرأة التي سيظل اسمها هوية لكل امرأة شجاعة. لكن فكر ينار وصوت ينار سيبقيان ضوءً ساطعا يعين كل مظلومة لتتحدى ظروفها الصعبة.
ضريبة ينار كانت ثقيلة جدا على المجتمع النسوي في العراق، ورسالة بالغة الخطورة اراد القتلة ان ينشروها في بلد يضيع فيه دم الابرياء والشجعان من الرجال والنساء الذين لم يخشوا رصاصات الغدر بل كانوا يتوقعونها.
في بلد كثرت فيه القوانين لكنه لم ينجح في حماية ارواحنا. وكانت رصاصات الغدر التي قتلت ينار قد قتلتنا جميعا وبثت الرعب في قلوبنا، لينجح المجرمون والقتلة في ترهيبنا.
لكن في قلوبنا الخائفة يوجد صوت في عمقه اسم ينار. صورتها، ملامح وجهها الشجاعة، شعرها الابيض المجعد، وصوتها الذي وثقته الكاميرات وهو يمزج بين الدفء والشجاعة، سيبقى الحياة التي تنبض داخل كل امرأة لا تقبل بالعبودية. وسيكون سلوتنا في الظروف الصعبة التي نعيشها حيث الافلات من العقاب وغياب العدالة وتفشي الارهاب.
مهما كتبت لن اوفيها حقها على الاطلاق. فهي ينار التي لم تتزاحم في حفلات المسؤولين كغيرها من النسويات. وهي ينار التي ارتدت اللون الاحمر وتحدث الجميع في ساحة التحرير، وكان صوتها المدوي يرهب من في قلبه خبث ومرض تجاه النساء.
انها ينار التي لم تجلس يوما الى جانب مسؤول حكومي فاشل او فاسد، ولم تهادن يوما على حساب حقوق المرأة، ولم يرهبها يوما العدو المتوغل في العراق.
لروحك السلام ولقلبك الامان. ستبقين حاضرة في دعوات النساء اللواتي يعتبرنك رمزا للشجاعة والثبات. وستبقين حاضرة في دعوات المظلومات وفي ذاكرة الاطفال الذين لم تتخلين عنهم، سيبقى صوتك خالدا ووجهك ثابتا في مخيلتنا ما حيينا.
عهدا منا سنكمل …. ربما سنخاف وننزوي، لكننا لن نتخلى لانك ستبقين على قيد الخلود….نامي قريرة العيون.
فعند الله لا تضيع الحقوق،





