أخبار ومقالاتتلفزيون المنارقصص وتقاريرمن الواقع

حضانة الاطفال بين النص القانوني والمصلحة الانسانية

عندما تغييب الإرادة و الإحتياجات العاطفية

منار الزبيدي

تُعتبر  قضايا الحضانة من أكثر المسائل القانونية تعقيداً، ليس بسبب غموض النص،بل بسبب طبيعتها المركبة التي تجمع بين القانون، والشرع، والبنية الاجتماعية، والعلاقات الإنسانية العميقة داخل الأسرة. فهي لا تتعلق بنصوص جامدة، بل بواقع حيّ يتشكل من مشاعر، وارتباطات، واحتياجات نفسية لا يمكن اختزالها في قواعد عامة.

وفي الحالة المعروضة في صورة الحكم أعلاه ، لا نقف أمام مجرد تطبيق قانوني، بل أمام صورة مكثفة لهذا التعقيد. ثلاث بنات، في أعمار حساسة تتراوح بين الطفولة المتأخرة وبداية المراهقة(12-14 عام)  عبّرن أمام محكمة الموضوع عن رغبتهن في البقاء مع والدتهن. لم يكن ذلك اختياراً قانونياً مجرداً، بل تعبيراً إنسانياً عن واقع يومي يعشنه، وعن شعور بالأمان والانتماء، إلا أن الهيئة المختصة داخل محكمة التمييز الاتحادية قررت عدم الاعتداد بهذا الاختيار، استناداً إلى عدم بلوغهن سن الرشد، ومن ثم قضت بتسليمهن إلى الأب، وهنا تبرز الإشكالية: هل يمكن أن نستمع إلى الأطفال، ونمنحهم فرصة التعبير، ثم نقرر أن صوتهم لا وزن له في ميزان التقدير القانوني ؟

لاتمثل هذه الواقعة حالة فردية فحسب، بل تعكس إشكالية أعمق تتعلق بكيفية فهم الحضانة، وحدود الاعتداد بإرادة الأطفال، وموقع الأم داخل المنظومة القانونية، وطبيعة العلاقة بين النص القانوني والواقع الإنساني. كما تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل الحضانة حق للوالدين أم نظام لحماية الطفل؟ هل يُعقل إقصاء صوت الأطفال بالكامل؟ وهل يمكن تجاهل احتياجاتهم النفسية، واحتياجهم للأم، لصالح تطبيق حرفي للنص؟

إن الانطلاق الصحيح في تحليل هذه القضية يقتضي إعادة تعريف الحضانة وفهمها ، لأن الحضانة ليست امتيازاً شخصياً للأب أو للأم، وليست حقاً ذاتياً يمكن التمسك به بمعزل عن الغاية منه، بل هي وظيفة قانونية واجتماعية هدفها الأساسي حماية الطفل وضمان نشأته في بيئة آمنة ومستقرة، غير أن الواقع القانوني يكشف أن الحضانة كثيراً ما تُختزل إلى نزاع ثنائي بين الأبوين، يُنظر فيه إلى كل طرف باعتباره صاحب حق مستقل، في حين يتراجع الطفل إلى موقع ثانوي. وهذا التحول في زاوية النظر يغيّر طبيعة القرار القضائي، فيصبح أقرب إلى حسم نزاع قانوني بين طرفين  وتطبيق النص القانوني لا بوصفه تدخل لحماية طرف ثالث هو الطفل و حين يحدث هذا التحول، فإن السؤال المركزي لم يعد: ما الذي تحتاجه البنات؟بل يصبح: من يملك الأساس القانوني الأقوى؟ وهنا تكمن بداية الانزلاق من العدالة الإنسانية إلى الشكل القانوني، حيث تُغلب النصوص على الواقع، ويصدر القرار لصالح القاعدة القانونية المجردة .

                            الصوت المغيب 

إن الأساس الذي اعتمدته محكمة التمييز في إلغاء اختيار البنات يقوم على قاعدة قانونية مفادها أن من لم يبلغ سن الرشد لا يُعتد بإرادته وهذه القاعدة، في سياقها العام، تهدف إلى حماية القاصر من اتخاذ قرارات قد تضر بمصلحته، غير أن تطبيقها على قضايا الحضانة بهذا الشكل الحرفي يثير إشكالاً عميقاً، لأن الطفل، وإن لم يكن راشداً بالمعنى القانوني فهو  يمتلك إدراكاً حسياً ونفسياً لعلاقاته اليومية، ويستطيع التمييز بين من يشعر معه بالأمان ومن يشعر معه بالغربة. إن إدراكه لا يُقاس بمعايير الأهلية القانونية، بل بتجربته اليومية في الحياة.

إن الاختيار الذي عبرت عنه المحضونات  في مثل هذه الحالة لا يتعلق بعقد قانوني أو تصرف مالي، بل يتعلق ببيئة معيشية وعاطفية تشكل حياتهن اليومية وحين يُلغى هذا الاختيار بشكل كامل، فإن ذلك لا يعني فقط عدم الأخذ به، بل يعني أيضاً إنكار أو تغيبب (صوت المحضون) وقيمته كمؤشر على واقع نفسي واجتماعي، وهذا يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل عدم بلوغ سن الرشد يعني انعدام القدرة على التعبير عن المصلحة؟ أم أن هناك مساحة وسطى يمكن فيها الاستماع إلى الطفل، دون تحميله مسؤولية القرار، مع الاعتداد بصوته كعنصر من عناصر التقدير؟

إن المنهج الأكثر توازناً في مثل هذه الحالة يقتضي أن يكون معتبراً ضمن مجموعة من العناصر التي تُبنى عليها القناعة القضائية، وفي هذه القضية، لا يمكن إغفال حقيقة أن البنات في مرحلة عمرية تتسم بحساسية عالية من الناحية النفسية والاجتماعية و في هذه المرحلة، يكون للوجود الأمومي دور محوري في تشكيل الإحساس بالأمان، وتنظيم الحياة اليومية، وتقديم الدعم العاطفي المستمر، فوجود الأم ليس مجرد مركز قانوني، بل هو واقع فعلي يومي، فهي التي تتابع تفاصيل الحياة الدقيقة: الصحة، والتعليم، والسلوك، والانفعالات. وهي التي تمثل نقطة الاستقرار في حياة الطفل.

وعليه، فإن نقل الحضانة منها لا يُعد مجرد تغيير قانوني، بل هو تغيير جذري في بنية الحياة اليومية للمحضونات وتجاهل هذا البعد أو التقليل من أهميته يؤدي إلى اختلال في ميزان التقدير، لأن الحضانة لا تتعلق فقط بمن يملك الحق، بل بمن يستطيع أن يحقق الرعاية الفعلية، فإذا كانت الأم هي مصدر هذه الرعاية، فإن إزاحتها دون موازنة دقيقة قد ينعكس سلباً على استقرار البنات النفسي والعاطفي، ولهذا يمكننا أن نحدد بوضوح أحد أبرز مواطن الإشكال في هذا النوع من الأحكام هو الخلط بين مفهومين مختلفين تماماً: الرشد القانوني والمصلحة الواقعية، فالرشد القانوني يتعلق بالأهلية الكاملة للتصرفات القانونية، وهو معيار تقني محدد أما المصلحة في قضايا الحضانة، فتتعلق بعوامل نفسية واجتماعية وبيئية معقدة،وحين يتم استخدام معيار الرشد لحسم مسألة الحضانة، فإن القرار يتحول إلى تطبيق تقني للنص، دون الانتباه إلى أن موضوع الحضانة لا يندرج ضمن نفس المنطق، لأن الطفل لا يحتاج إلى أهلية قانونية ليشعر بالأمان، ولا يحتاج إلى بلوغ سن معينة ليعبّر عن تعلقه بمن يرعاه. ولذلك، فإن المصلحة الواقعية تقتضي النظر إلى مجمل الظروف المحيطة، وليس إلى معيار واحد.

كما أن تداخل المستويات القانونية والشرعية والاجتماعية يخلق حالة من التوتر، حيث يحاول كل طرف توظيف النصوص لصالحه، في حين يغيب في كثير من الأحيان التركيز على الطفل ذاته ومع تفكك العلاقة الزوجية، قد تتحول الحضانة إلى وسيلة لإثبات السيطرة أو استعادة التوازن النفسي، بدلاً من أن تبقى أداة لحماية الصغير  وهذا ما يجعل هذه القضايا من أكثر القضايا حساسية، ويستدعي معالجة دقيقة تتجاوز التطبيق الحرفي للنص.

                        صراع السلطة والاحتواء

في خلفية هذه القضية يظهر تعارض ضمني بين مفهومي ( الولاية والرعاية) فالولاية تمثل السلطة القانونية التي تُمنح غالباً للأب،بينما تمثل الرعاية العمل اليومي الفعلي الذي تقوم به الأم وحين يتم تغليب الولاية على الرعاية، فإن القرار يميل إلى منح الحضانة لمن يملك السلطة القانونية، حتى لو لم يكن هو الحاضن الفعلي وهذا يطرح إشكالية جوهرية: هل الحضانة امتداد للسلطة؟ أم أنها انعكاس للرعاية؟

ولذلك لابد من فهم حقيقة مهمة وهي إن الحضانة، في جوهرها، تتعلق بالرعاية لا بالسلطة وإغفال هذا التمييز يؤدي إلى قرارات قد تكون صحيحة من الناحية الشكلية، لكنها لا تحقق الغاية التي وُضعت من أجلها، وهي مصلحة الطفل الفضلى وهذه المصلحة لا تُختزل في عنصر واحد، بل هي نتيجة موازنة بين عدة عوامل، منها الاستقرار النفسي، والعلاقة العاطفية، والبيئة الاجتماعية، ورأي الطفل، وقدرة الحاضن على توفير الرعاية وفي الحالة المعروضة، يبدو أن هذا التوازن لم يُفعّل بالشكل الكافي، حيث تم التركيز على عامل السن والرشد، دون إظهار وزن واضح لبقية العناصر .

لقد كشفت هذه القضية عن فجوة حقيقية بين النص القانوني وتطبيقه في الواقع، حيث يتم أحياناً تغليب الاعتبارات الشكلية على الاحتياجات الإنسانية للأطفال، وقد تجلّى ذلك بوضوح في رغبة البنات، التي، وإن لم تكن كافية لدى لحسم القرار ، إلا أنها تمثل مؤشراً إنسانياً لا يجوز تجاهله  بل يجب ان تؤخذ بنظر الاعتبار كما أن احتياجهن للأم ليس مجرد تفصيل عاطفي، بل عنصر أساسي في تحقيق استقرارهن النفسي والعاطفي لذلك، لا ينبغي أن تتحول الحضانة إلى ميدان تنازع، بل يجب أن تبقى منظومة حماية تتمحور حول ما يحقق مصلحة الطفل ، فالعدالة في هذا المجال لا تتحقق بمجرد تطبيق النص، بل بالقدرة على قراءة الواقع الإنساني قراءة دقيقة، وتحقيق توازن حقيقي بين القانون والحياة، بين القاعدة والإنسان.

أقسى ما يمكن أن يحدث هو ..أن يكون الحكم صحيحاً من الناحية القانونية، لكنه يترك أثراً إنسانياً قاسياً

زر الذهاب إلى الأعلى