أخبار ومقالات

من جريمة قتل إلى بنية استغلال… كيف يُسَلَّع جسد المرأة في اقتصاد الهيمنة

حين يتحول الجسد إلى أداة تفاوض

منار الزبيدي

لم تكن القضية التي انتهت بحكم قضائي بالإعدام على الزوج والحبس على زوجته مجرد جريمة قتل ناشئة عن خلاف مالي عابر، فخلف الوقائع الجنائية التي انتهت بها القضية تكمن بنية أعمق وأكثر تعقيداً من العنف الاقتصادي والاستغلال القائم على اختلال موازين القوة داخل العلاقات الاجتماعية والأسرية، حيث يتحول جسد المرأة إلى أداة تفاوض ضمن اقتصاد غير رسمي تحكمه الهيمنة والاحتياج.

في واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وقسوة، تكشف تفاصيلها عن تداخل خطير بين الابتزاز المالي والاستغلال القائم على الجسد، وهو ما حسمته محكمة التمييز الاتحادية في جريمة لم تكن مجرد قتل، بل نتاج منظومة ابتزاز استُخدم فيها جسد المرأة كورقة ضغط بين الدائن والمدين.

تبدأ الحكاية بالعثور على جثة رجل داخل صندوق سيارة في منطقة زراعية، بعد أيام من اختفائه في ظروف غامضة،خرج المجني عليه من منزله كالمعتاد متجهاً إلى عمله، قبل أن ينقطع أثره تماماَ ليُعثر عليه لاحقاَ مقتولاَ دون وجود شهود مباشرِين، ومع تقدم التحقيقات، تكشفت خيوط أكثر قتامة، إذ قادت الأدلة إلى أحد المتهمين، الذي اعترف بجريمة القتل كاشفاً عن سياق أعمق للجريمة، فالعلاقة بينه وبين المجني عليه لم تكن عابرة، بل نشأت في إطار استغلال جنسي ، حين كان المجني عليه يعمل مضمّداً  وقام باقراض الجاني بمقابل الحصول على جسد زوجته للتحرش بها وفعلاً حصل ذلك وانفرد بها  ثم كرر الطلب عدة مرات وطلب الجاني من زوجته عدم ممانعة التحرش  بها من قبل المجني عليه، وبعد ذلك طلب المجني عليه من الجاني تسديد الدين الا ان الاخير رفض ذلك مما دفع المجني عليه الى تهديده، بعدها تصاعدت الأحداث إلى ذروتها  لتنتهي بقتله.

لنركز على هذه التفصيلة “تكشف الوقائع أن المجني عليه طلب من الجاني إحضار زوجته لممارسة الفعل الجنسي، ولم يمانع الجاني، وهو زوج المرأة التي أشار إليها الحكم القضائي باعتبارها متهمة رغم أنها ضحية تعرضت للاستغلال الجنسي مرات عدة، وطلب الجاني منها عدم الممانعة عند طلب المجني عليه، وتكررت هذه الحالات مرات عدة، مما يعكس أن المرأة كانت ضحية استغلال أبشع، حيث أصبح جسدها وسيلة ابتزاز ومساومة في دائرة عنف مركب”.

احدى محاكم الجنايات رأت أن الأفعال تشكل جريمة قتل مكتملة الأركان، فأصدرت حكماً بالإعدام بحق المتهم الرئيسي وزوجته لكن محكمة التمييز الاتحادية وبعد إعادة قراءة الوقائع قامت  بإعادة تكييف الوصف القانوني، فقررت تخفيف الحكم إلى الحبس الشديد لمدة سنتين بحق المتهمة “المرأة التي تم استغلال جسدها”.

وهنا يبرز تحليل قانوني مهم، إذ تظهر فجوة كبيرة بين النصوص القانونية والتعامل العملي مع استغلال جسد المرأة تحت الضغط النفسي والابتزاز المالي، خصوصاً حين يكون الفاعل من داخل الأسرة المفترض أن توفر الأمان، فالأساس القانوني موجود في قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2012، الذي يجرّم الاستغلال القائم على الجسد، خصوصاً إذا ارتبط باستغلال حالة ضعف أو حاجة أو إساءة استخدام سلطة، لكن ما تكشفه هذه القضية هو أن الفعل الخطير الذي ارتكب بحق المرأة قد “ذاب” داخل جريمة القتل ولم يُعالج كجريمة مستقلة، وهذا الذوبان يضعف الردع ويترك استغلال الجسد في منطقة رمادية رغم أنه فعل مجرّم وخطير بحد ذاته.

من الناحية القانونية، تقع المرأة في هذه القضية في موقع إشكالي إذ ساعدت في نقل الجثة إلى صندوق السيارة، وهو ما يمكن اعتباره مساهمة جزئية في تمويه الجريمة رغم أنها لم تشارك في القتل ذاته،وتصنف  القوانين عادة المسؤولية بحسب النية والإرادة والقدرة على الامتناع عن الفعل الإجرامي، لكن غالباً لا تؤخذ بالاعتبار الضغوط النفسية والخوف الناتج عن الاستغلال الجنسي المتكرر والابتزاز المالي، خصوصاً من قبل الزوج الذي يفترض أن يكون ملاذها الآمن، و من المنظور الاجتماعي والنفسي، المرأة هنا ضحية مضاعفة، إذ تعرض جسدها للاستغلال مرات عديدة تحت تهديد مستمر، وكان من الصعب عليها المقاومة أو اتخاذ قرار مستقل، وهذا يضعها في خانة الضحية المستغلة أكثر من كونها شريكة إرادية في الجريمة.

في الأدبيات النسوية، لا يُفهم العنف ضد النساء بوصفه عنفاً جسدياً فقط، بل منظومة متكاملة من السيطرة تمتد إلى المجال الاقتصادي والاجتماعي، فالعنف الاقتصادي لا يقتصر على حرمان المرأة من العمل أو السيطرة على دخلها، بل يشمل أيضاً استغلال احتياجاتها المعيشية أو احتياجات أسرتها للضغط عليها وإجبارها على الانخراط في ممارسات تمس كرامتها أو حريتها، وفي هذه السياقات يصبح الجسد الأنثوي أداة تفاوض داخل اقتصاد خفي قائم على الهيمنة، حيث تُدفع المرأة تحت ضغط الحاجة أو التبعية إلى المقايضة بجسدها أو بسمعتها مقابل المال أو تسوية الديون أو تأمين موارد أساسية للحياة. هذا النمط من الاستغلال تصفه الأدبيات النسوية بـ”تشييء الجسد الأنثوي”، أي تحويل المرأة من شخص كامل الحقوق والكرامة إلى وسيلة ضمن شبكة من العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة وعندما يحدث هذا داخل إطار الأسرة أو العلاقات القريبة يصبح العنف أكثر تعقيداً لأنه يتخفى خلف روابط اجتماعية يفترض أنها تقوم على الحماية والثقة.

لا تتوقف بعض هذه الحالات عند حدود الديون المالية، بل تتداخل أحياناً مع ظواهر أخطر مثل الاستغلال مقابل مواد مخدرة أو توظيف النساء ضمن شبكات غير رسمية لتسوية النزاعات المالية، أو إخضاعهن لابتزاز قائم على التهديد بالفضيحة أو العنف الأسري، وهنا يتشكل ما يمكن وصفه بـ”الاستغلال المركب” حيث تتقاطع ثلاثة عوامل رئيسية هي الفقر والهيمنة الذكورية والخوف الاجتماعي، وهذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة تُختزل فيها النساء إلى أوراق تفاوض، بينما تُمارس الضغوط عليهن داخل دائرة مغلقة من الاحتياج والخوف.

عاملان أساسيان يسهمان في تفاقم هذا النوع من الجرائم وهما الصمت المجتمعي والوصم الاجتماعي، فكثير من هذه الحالات لا تصل إلى القضاء أصلاً لأن الضحايا يخشين الإبلاغ بسبب الخوف من الفضيحة أو بسبب التبعية الاقتصادية، أو بسبب غياب شبكات دعم قادرة على حمايتهن، وفي بيئات تعاني من هشاشة اقتصادية يتحول الاحتياج إلى أداة ابتزاز وتصبح بعض النساء عرضة لما يمكن تسميته بـ”الابتزاز القائم على الفقر”.

رغم وصول بعض القضايا إلى القضاء وتحولها إلى رأي عام، إلا أن كثيراً من حالات الاستغلال تبقى خلف الستار، فالخوف من الانتقام أو القتل تحت ذرائع اجتماعية يشكل عائقاً حقيقياً أمام كشف هذه الجرائم، خاصة في ظل وجود ثغرات قانونية تمنح أعذاراً مخففة في بعض الجرائم المرتبطة بما يسمى “الشرف”، ما يضعف ثقة الضحايا بمنظومة العدالة، كما أن محدودية دور الإيواء الآمنة وضعف الحماية المؤسسية وحملات التشويه التي تطال مراكز الدعم كلها عوامل تعمق دائرة الصمت، فالمرأة التي تفكر في طلب المساعدة قد تجد نفسها أمام مخاطر اجتماعية وأمنية مضاعفة ما يدفعها إلى البقاء داخل دائرة الاستغلال.

وعلى الرغم من أن قرار مجلس الأمن 1325 يُرتبط غالباً بسياقات النزاع، إلا أن جوهره يتصل بالأمن الإنساني للنساء في كل السياقات، فحين يُستغل جسد المرأة كوسيلة ضغط، وحين تُدفع إلى خيارات قسرية تحت وطأة الحاجة أو الهيمنة، فإن ذلك يعكس خللاً عميقاً في منظومة الحماية ويمس جوهر الأمن المجتمعي “قد تحسم الأحكام القضائية المسؤولية الجنائية، لكنها لا تعالج الجذور البنيوية التي تسمح بحدوث مثل هذه الجرائم”  فالمشكلة لا تكمن فقط في الفعل الإجرامي بل في البيئة التي تجعل هذا الفعل ممكناً ومتكرراً.

أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة شاملة تبدأ بتمكين النساء اقتصادياً لتقليل التبعية اضافةً الى ضرورة القيام بإصلاح تشريعي يضمن حماية حقيقية من جميع أشكال العنف، ولا تنتهي دون بناء شبكة حماية مؤسسية فعالة تشمل دور إيواء آمنة ودعماَ نفسياً وقانونياً وحماية لهذه المؤسسات من حملات التشويه، كما يجب تعزيز التوعية القانونية والمجتمعية لتمكين النساء من معرفة حقوقهن وطرق الإبلاغ والحماية، وبناء ثقة أكبر بين الضحايا والمؤسسات العدلية والأمنية.

وأخيراً  يبقى كسر ثقافة الصمت المجتمعي الخطوة الأكثر أهمية، فهذه الجريمة لم تكشف فقط عن واقعة قتل، بل كشفت ما كان مخفياً خلفها، وربما الأهم أنها تضعنا أمام حقيقة قاسية” الكثير من الضحايا لا تُسمع أصواتهن ولا تُروى قصصهن، لأنهن ما زلن عالقات داخل اقتصاد غير مرئي من العنف يُدار على حساب أجسادهن وكرامتهن”.

في جوهر هذه الجريمة مرآة لواقع أوسع، واقع تُستغل فيه هشاشة النساء لصالح علاقات قوة غير عادلة، ومواجهة هذا الواقع لا تتطلب العدالة الجنائية فقط، بل إرادة اجتماعية حقيقية تعيد الاعتبار لكرامة النساء وتضمن لهن الحق في العيش بأمان وحرية.

وفي ختام هذه القراءة المعمقة لهذه القضية، يبرز تساؤل حاسم: ما هي حدود المسؤولية الجنائية للزوج المجرم الذي استغل جسد  زوجته تحت ضغط النفوذ والخوف؟ ولماذا لم يتم اعتبارها ضحية أولى في هذه الدائرة المعقدة من الاستغلال والابتزاز وهو الوضع الذي يمنحها حق المطالبة بالقصاص من المجرم الذي حول جسدها إلى أداة تفاوض وشيئ استغله من أجل المال ؟

هذا السؤال يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول الحاجة إلى نصوص قانونية أكثر وضوحاً لحماية المرأة من استغلال أقرب الناس إليها، ويطرح تحدياً امام العدالة  كون المراة في هذه الجريمة ضحية ايضا .

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى