أخبار ومقالاتتلفزيون المنارغير مصنفقصص وتقاريرمن الواقع

من العسكرة إلى السلام: كيف يمكن لحصر السلاح بيد الدولة أن يعزز تنفيذ القرار 1325 في العراق؟

عندما تتراجع البنادق.. تتقدم النساء

العراق- منار الزبيدي

منذ اعتماد قرار مجلس الأمن 1325 عام 2000، لم يعد مفهوم الأمن مقتصرا على الجيوش والمعارك والنزاعات المسلحة، بل أصبح مرتبطا بقدرة النساء على المشاركة في صناعة السلام وصنع القرار وبناء مجتمعات مستقرة. فالقرار الأممي انطلق من قناعة أساسية مفادها أن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق دون مشاركة النساء، وأن هذه المشاركة لا يمكن أن تزدهر في بيئة يسودها العنف أو تتعدد فيها مراكز القوة المسلحة خارج إطار الدولة.

في العراق، يكتسب هذا النقاش أهمية استثنائية اليوم، مع تصاعد التوجه الحكومي نحو حصر السلاح بيد الدولة، وإعلان بعض الفصائل المسلحة استعدادها لفك الارتباط أو تسليم السلاح والانخراط ضمن الإطار الرسمي للدولة. ورغم أن هذا الملف غالبا ما يطرح بوصفه قضية أمنية وسياسية، إلا أن أثره الحقيقي أوسع من ذلك بكثير فهو يمس طبيعة المجال العام، وموقع المرأة داخله، وقدرتها على المشاركة السياسية والمدنية، وحمايتها من آثار النزاعات المسلحة، ودورها في بناء السلام.

إن حصر السلاح بيد الدولة، إذا طبق بصدق وجدية وضمن مسار قانوني عادل، لا يعني فقط تقليل عدد البنادق خارج المؤسسات الرسمية، بل يعني إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة، وبين المجتمع والقانون، وبين الأمن والحقوق. ومن هذه الزاوية تحديدا، يصبح ملف السلاح مرتبطا بصورة مباشرة بأجندة المرأة والأمن والسلام، لأن النساء لا يستطعن المشاركة بفاعلية في الحياة العامة ما لم تكن هناك سلطة قانونية واحدة تحتكر استخدام القوة وتخضع للمساءلة الدستورية والقضائية.

القرار 1325 أكثر من قضية نسوية

غالبا ما ينظر إلى القرار 1325 بوصفه قرارا خاصا بالنساء، إلا أن جوهره الحقيقي يتمثل في إعادة تعريف مفهوم الأمن نفسه. فالقرار لا يتحدث عن حماية النساء فقط، بل عن مشاركتهن في منع النزاعات، وإدارة الأزمات، وصناعة القرار، وبناء السلام، وإعادة الإعمار. وهذا يعني أن المرأة ليست ضحية يجب حمايتها فحسب، بل فاعلة سياسية واجتماعية وأمنية يجب إشراكها في صياغة مستقبل المجتمع، ومن هنا، فإن نجاح العراق في تنفيذ القرار 1325 لا يقاس بعدد الورش والمؤتمرات، ولا بعدد النساء المشاركات في اللجان بصورة رمزية، بل بمدى قدرة الدولة على خلق بيئة آمنة تسمح للنساء بالعمل والتنظيم والمناصرة والترشح والقيادة والمشاركة في القرار دون خوف أو تهديد أو ابتزاز أو تشهير.

الأمن أولاً

لا يمكن الحديث عن مشاركة سياسية حقيقية للمرأة في بيئة تتعدد فيها مراكز القوة. فالمرأة التي تفكر بالترشح للانتخابات، أو قيادة منظمة، أو إطلاق حملة مناصرة، أو مراقبة أداء مؤسسات الدولة، أو الدفاع عن حقوق الضحايا، تحتاج إلى حد أدنى من الأمان القانوني والاجتماعي. وعندما يكون السلاح منتشرا خارج الإطار الرسمي، فإن الخوف لا يظهر دائما بصورته المباشرة، بل يتحول إلى رقابة ذاتية تدفع النساء إلى الصمت أو الانسحاب أو تجنب الملفات الحساسة و في مثل هذه البيئة، تصبح المشاركة السياسية للنساء محفوفة بالمخاطر. فالمرأة لا تواجه فقط منافسة انتخابية أو تحديات اجتماعية، بل قد تواجه أيضا منظومات نفوذ قادرة على الضغط والتخويف والتشهير. لذلك فإن حصر السلاح بيد الدولة يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو تحرير المجال السياسي من منطق القوة، وفتح مساحة أوسع أمام النساء للمنافسة والمشاركة على أساس الكفاءة والبرنامج والرؤية، لا على أساس القرب من مراكز النفوذ المسلح.

استجابة بعض الفصائل.. اختبار لجدية التحول

إن إعلان بعض الفصائل استعدادها لتسليم السلاح أو الانخراط تحت عباءة الدولة العراقية يمثل تطورا مهما، لكنه لا يكفي وحده ما لم يتحول إلى مسار مؤسساتي واضح. فالعبرة ليست في الإعلان، بل في الآليات: من يشرف على التسليم؟ كيف تدمج العناصر؟ ما مصير الأجنحة السياسية؟ هل تخضع كل القوى للمعيار نفسه؟ وهل يجري ذلك تحت رقابة الدولة والقانون لا وفق تفاهمات ظرفية؟إذا تحقق هذا المسار بصورة جدية، فإنه يمكن أن يفتح الباب أمام انتقال تدريجي من منطق الفصيل إلى منطق المؤسسة، ومن سلطة السلاح إلى سلطة القانون. وهذا التحول ستكون له آثار مباشرة على النساء، لأن تراجع النفوذ المسلح يعني تقليل المخاطر التي تواجه الناشطات والمرشحات والمدافعات عن الحقوق والعاملات في بناء السلام أما إذا بقيت العملية شكلية أو انتقائية، فإنها قد تتحول إلى إعادة تموضع للقوة لا إلى نزع حقيقي للعسكرة. وهنا ستبقى النساء والمجتمع المدني أمام المشكلة ذاتها، لكن بأسماء وأطر جديدة.

العسكرة خصم مباشر لبناء السلام

لا يقتصر تأثير السلاح خارج إطار الدولة على التهديد الأمني المباشر، بل يمتد إلى الثقافة الاجتماعية والسياسية. فالعسكرة لا تعني وجود السلاح فقط، بل تعني شيوع منطق القوة في إدارة الخلافات، وتراجع قيمة الحوار، وتغليب الطاعة والهيمنة على المشاركة والمساءلة، في البيئة المعسكرة، تضعف أصوات النساء العاملات في الوساطة والحوار والمصالحة المجتمعية، لأن المجال العام يصبح محكوما بمن يملك القوة لا بمن يملك الرؤية. كما تتراجع قدرة المنظمات النسوية على العمل في ملفات حساسة مثل العنف ضد النساء، والعدالة الانتقالية، وحماية النازحات، ومحاسبة الجناة، وإصلاح المؤسسات، لأن هذه الملفات قد تصطدم بمصالح قوى نافذة أو شبكات نفوذ غير رسمية، لذلك فإن نزع العسكرة من البيئة الاجتماعية لا يعني فقط جمع السلاح، بل يعني إعادة الاعتبار للمدرسة والجامعة والنقابة والمنظمة والبلدية والمحكمة والبرلمان بوصفها فضاءات طبيعية لحل النزاعات وصناعة القرار. وكلما تراجعت رمزية السلاح في المجتمع، تقدمت رمزية القانون والحوار والمشاركة، وهي البيئة التي تحتاجها النساء كي يتحولن من ضحايا للنزاعات إلى صانعات للسلام.

النساء أكثر المتضررات من النزاعات

تثبت التجربة العراقية أن النساء يدفعن ثمنا مضاعفا في النزاعات المسلحة. فحين ينهار الأمن أو تتعدد مراكز القوة، تكون النساء أكثر عرضة للنزوح والفقر وفقدان المعيل والعنف والاستغلال والحرمان من الخدمات والتعليم والصحة ولهذا فإن حصر السلاح بيد الدولة يدخل في صميم محور الحماية في القرار 1325، لأنه يقلل من احتمالات الانفلات الأمني ويحد من قدرة الجماعات المسلحة على فرض واقع اجتماعي أو سياسي خارج القانون، كما يرتبط هذا الملف بمحور الوقاية. فالوقاية لا تعني انتظار النزاع ثم حماية الضحايا، بل تعني معالجة أسباب العنف قبل انفجاره. وعندما تحتكر الدولة القوة بصورة قانونية ومسؤولة، تصبح فرص اندلاع النزاعات المحلية أقل، وتصبح آليات الحل السلمي أكثر حضورا، وتتمكن النساء من أداء دور أكبر في الإنذار المبكر والوساطة المجتمعية ومنع التطرف وبناء الثقة داخل المجتمعات.

من الحماية إلى المشاركة الفعلية

ركزت الخطط الوطنية العراقية الخاصة بالقرار 1325 على محوري الحماية والمشاركة، لكن الواقع أظهر أن الحماية لا تتحقق دون دولة قوية، والمشاركة لا تزدهر دون فضاء آمن. فإذا نجح مشروع حصر السلاح بيد الدولة، فقد يساعد النساء على الانتقال من موقع المستفيدات من الحماية إلى موقع الشريكات في القرار و هذا يعني أن المرأة العراقية يمكن أن تكون حاضرة في المجالس المحلية، واللجان الأمنية المجتمعية، ومفاوضات السلم الأهلي، ومؤسسات العدالة، والبرلمان، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، لا بوصفها رقما مكملا، بل بوصفها طرفا يمتلك خبرة ميدانية في فهم آثار العنف على الأسرة والمجتمع.

لكن المشاركة السياسية للمرأة في العراق ستبقى ناقصة ما لم تتحرر من ضغط السلاح والنفوذ غير الرسمي. فالمرأة التي تدخل السياسة تحتاج إلى بيئة تنافسية عادلة، وإلى حماية من التشهير والتهديد، وإلى قانون انتخابي ومؤسسات حزبية تسمح لها بالتأثير. وحصر السلاح، إذا ترافق مع إصلاح سياسي وقانوني، يمكن أن يقلل من هيمنة القوى الخشنة على الحياة السياسية، ويفتح المجال أمام خطاب مدني أكثر قدرة على استيعاب النساء.

التأثير على التشريعات وصنع القرار

لا يمكن فصل ملف السلاح عن ملف النفوذ السياسي. فحين تمتلك بعض القوى أذرعا مسلحة أو قدرة على التأثير خارج القنوات الرسمية، فإن النقاش التشريعي نفسه يتأثر بموازين القوة. وهذا ينعكس على قوانين مهمة للنساء، مثل قوانين الحماية من العنف، والمشاركة السياسية، والرعاية الاجتماعية، والعمل، والأحوال الشخصية، وحماية المدافعات عن حقوق الإنسان، لذلك فإن تقليص نفوذ السلاح يمكن أن يفتح المجال أمام نقاشات تشريعية أكثر مدنية، وأقل خضوعا للضغط غير الرسمي. ولا يعني ذلك أن العقبات الاجتماعية والسياسية ستختفي، لكنه قد ينقل الخلاف إلى داخل المؤسسات، حيث يمكن الاحتكام إلى الدستور والقانون والرأي العام، بدلا من الخوف أو التهديد أو منطق الغلبة.

هل يكفي نزع السلاح وحده؟

رغم أهمية حصر السلاح بيد الدولة، فإنه لا يكفي وحده لتحقيق أهداف القرار 1325. فالنساء لا يحتجن إلى الأمن فقط، بل إلى عدالة ومساواة وفرص سياسية ومؤسسات تستجيب لاحتياجاتهن. لذلك يجب أن يترافق هذا المسار مع إصلاحات أوسع تشمل حماية الحريات العامة، دعم استقلال القضاء، ضمان حرية التنظيم المدني، حماية الناشطات من العنف والتشهير، تعزيز حضور النساء في المؤسسات الأمنية، وتوسيع تمثيلهن في مواقع صنع القرار كما أن انخراط بعض الفصائل تحت عباءة الدولة يجب ألا يتحول إلى إعادة إنتاج للعسكرة داخل المؤسسات. فالدولة لا تستعيد قوتها بمجرد ضم السلاح إليها، بل باستعادة منطقها القانوني( الانضباط، المساءلة، الشفافية، احترام الحقوق، والخضوع للقيادة المدنية والدستورية).

فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الأمن والحقوق

قد يكون النقاش الحالي حول حصر السلاح بيد الدولة واحدا من أهم التحولات التي يشهدها العراق منذ سنوات، ليس بسبب أبعاده الأمنية فقط، بل بسبب تأثيره المحتمل على طبيعة المجال العام ومستقبل المشاركة المدنية. فإذا تحقق هذا المسار بجدية، فإنه يمكن أن يسهم في تفكيك جزء من البيئة التي جعلت النساء أكثر عرضة للعنف والتهميش والخوف، ويفتح أمامهن مساحة أوسع للمشاركة في بناء السلام وصنع القرار، كلما تراجعت مظاهر العسكرة، ازدادت فرص الحوار. وكلما تراجعت سلطة السلاح، اتسعت مساحة العمل المدني. وكلما تعززت سلطة القانون، أصبحت مشاركة النساء في السياسة والسلام والتنمية أكثر واقعية.

وعندها يمكن أن يتحول القرار 1325 من وثيقة دولية وخطة حكومية  إلى واقع ملموس تشعر النساء العراقيات بآثاره في حياتهن اليومية، ليس بوصفهن ضحايا للنزاعات أو مستفيدات من برامج الحماية فقط، بل بوصفهن شريكات أساسيات في صناعة السلام، وبناء الدولة، وحماية المجتمع من العودة إلى دوائر العنف.

وكان رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي قد صرح في  14 مايو 2026  بان حكومته :

” تعمل على “إصلاح المنظومة الأمنية من خلال حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز قدرات القوات الأمنية بما يرسخ سيادة القانون ويعزز الاستقرار الداخلي”.

وفي وقت تؤكد فيه الحكومة العراقية أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل أولوية لإصلاح المنظومة الأمنية وترسيخ سيادة القانون، فإن نجاح هذا المسار لن يقاس فقط بعدد الأسلحة التي تُسلم للدولة أو الفصائل التي تنخرط تحت مظلتها، بل بقدرته على تحويل الأمن إلى مساحة للحقوق والمشاركة، فحين تصبح الدولة الجهة الوحيدة المحتكرة للقوة، تتسع مساحة العمل المدني، وتتراجع مظاهر العسكرة، وتقترب النساء من لعب الدور الذي نص عليه القرار 1325: شريكات في صناعة السلام، لا مجرد متأثرات بالنزاعات. وعندها فقط يمكن للعراق أن ينتقل من إدارة آثار العنف إلى بناء سلام مستدام قائم على المواطنة وسيادة القانون والمشاركة المتساوية للجميع.

 

زر الذهاب إلى الأعلى