قصص وتقارير

من يحمي كرامة الضحية بعد رحيلها؟

مأساة الانكشاف وتهاوي الخطاب الإعلامي بين حُمّى "السبق" وغياب المهنية

العراق- منار الزبيدي

لا يختلف اثنان في الأوساط الصحفية والقانونية على أن كشف الجرائم، وملاحقة الجناة، وإطلاع الرأي العام على مستجدات الأمن، هي ركائز أساسية لاستقرار المجتمع وترسيخ سلطة القانون. لكن هذا الحق الدستوري في المعرفة لا ينبغي، تحت أي ظرف، أن يتحول إلى مسوغ لانتهاك الخصوصية، أو منصة لعرض تفاصيل مفرطة في الشخصية تنال من كرامة الضحايا، وتترك ندوباً اجتماعية لا تندمل في نفوس أسرهم؛ لا سيما عندما يتعلق الأمر بامرأة رحلت عن عالمنا، ولم يعد بمقدورها  الدفاع نفسها أو سرد روايتها كاملة. 

لقد أعاد البيان الرسمي الصادر مؤخراً بشأن حادثة وفاة امرأة هزت الرأي العام، والطريقة الكارثية التي تلقفته بها وسائل الإعلام، فتح هذا الجرح القديم-الجديد. ورغم أهمية المعطيات القانونية التي قدمها البيان بخصوص سير التحقيقات، إلا أن الانزلاق نحو تشريح الظروف المعيشية والنفسية الحساسة للمتوفاة، قابله تخبط وتهاوٍ أخلاقي مخيف من قِبل وسائل إعلام ومنصات رقمية تخلت عن أدنى معايير المسؤولية الاجتماعية.

كشف “الظاهرة” لا يعني تعرية “الضحية”

إن الاعتراض على طريقة التعاطي مع هذه القضية لا ينطلق من رغبة في “التستر” على واقع الفقر أو التعمية على الاستغلال بل على العكس تماماً حيث إن تسليط الضوء على هذه المعاناة يُعد خطوة مطلوبة وضرورية، لعلها توقظ ضمير المؤسسات الحكومية المعنية لتبين حجم الخلل في شبكات الحماية و  الأمان لكن الإشكالية البنيوية تكمن في الخلط الفاضح بين كشف “الظاهرة” كخلل سياساتي، وبين تعرية “الضحية” عبر الإفصاح عن تفاصيل حياتها اليومية وخلفياتها الشخصية و كان بإمكان الخطاب الإعلامي الأمني، والوسائل الصحفية الناقلة عنه، أن يطرحوا القضية بوصفها مؤشراً اجتماعياً خطيراً يتقاطع فيه العوز الاقتصادي مع الهشاشة الاجتماعية، داعين المؤسسات الشريكة للتحرك، دون تحويل الضحية وعائلتها إلى شخوص مستباحين أمام مجتمع لا يرحم. إن الهدف الأساسي من المكاشفة هو معالجة المنظومة، وليس تقديم جانب خاص من حياة الضحية كوجبة دسمة للإثارة والتكسب الرقمي.

أزمة السياسات التحريرية” والقصور الإداري في الإعلام

المشهد الذي تلا نشر تفاصيل هذه الحادثة كشف عن خلل أعمق يضرب جسد الإعلام المحلي ويتعلق بالضعف الحاد في السياسات التحريرية، وغياب الإدارة الإعلامية الرشيدة المعنية بفلترة وتدقيق المواد قبل قذفها إلى الفضاء العام و لقد تسابقت وسائل إعلام وقنوات ومواقع إخبارية يفترض أنها رصينة إلى إعادة تدوير وبث التفاصيل الشخصية للضحية، في لهثٍ مخجل وراء نسب المشاهدة (التريند) مما يؤشر بوضوح  غياب صارم لمواثيق الشرف المهني، وعجز غرف الأخبار عن التفريق بين المادة الخبرية التي تخدم المصلحة العامة وبين تلك التي تنتهك الخصوصية وتصنع ‘الوصم الاجتماعي” ويتزامن هذا العجز مع ضعف حاد في التأهيل والوعي الحقوقي لدى الكوادر الإعلامية والمحررين، الذين باتوا يتعاملون مع قضايا العنف القائم على اساس نوع الجنس بنوع من الإثارة الاستهلاكية الجاذبة للجمهور بدلاً من توخي الحذر الأخلاقي، في ظل غياب تام للرقابة الذاتية والمؤسسية الكفيلة بحماية الفئات المستضعفة وأسرهم من التبعات النفسية والاجتماعية القاسية لهذا النشر العشوائي.”

المنظومة الأخلاقية للمتلقي وسياق الوصم

المشكلة الأكبر هي أن المتلقي في الفضاء الرقمي لا يقرأ الوقائع دائماً بعين الباحث الاجتماعي أو المحقق القانوني؛ بل يمررها عبر مصفاة من الأحكام الأخلاقية المسبقة المعبأة بـ “ثقافة اللوم” وفي ظل تقصير وسائل الإعلام في توجيه الرأي العام نحو الجذور البنيوية للمشكلة، انزلق المجتمع إلى محاكمة الضحية، وبدلاً من أن يتساءل الجمهور -بتحفيز من التغطية الإعلامية- عن غياب الدولة التي تركت امرأة تواجه الفقر والابتزاز بمفردها، انشغل قطاع واسع في منصات التواصل بالبحث عن أخطائها المفترضة وتحميلها مسؤولية مأساتها. وهكذا، وبفعل النشر غير المهني للتفاصيل، تحول الاستغلال الذي تعرضت له الضحية في حياتها إلى “تهمة” تلاحقها وتلاحق أطفالها حتى بعد الموت

ما وراء الجريمة 

إذا كانت التحقيقات قد كشفت بعمق عن بيئة من الفقر والعوز، فإن هذه المعطيات لا تدين الضحية بقدر ما تمثل إدانة صريحة لمنظومة الحماية الاجتماعية، ومنظومة الإعلام التي عجزت عن ممارسة دورها كسلطة رابعة تراقب الخلل بدلاً من أن تقتات على تداعياته  فالفقر في جوهره ليس مجرد عجز مالي فردي، بل هو بيئة بنيوية تُنتج الانكشاف والاستغلال وتجعل الفئات الهشة أهدافاً سهلة للابتزاز بمختلف أشكاله، و من هنا، تتجاوز القضية حدود الملف الجنائي لتلامس أسئلة كبرى تتعلق بالسياسات العامة للدولة، ليطرح السؤال هنا: أين كانت شبكات الأمان الاجتماعي قبل أن تصل الأمور إلى هذه النهاية الفاجعة؟ وأين هي لجان التنظيم والرقابة الإعلامية لضبط هذا الانفلات التحريري الذي يحول المآسي الإنسانية إلى بضاعة رخيصة.

حق المعرفة وحرمة الخصوصية

لقد قدم البيان الأمني رواية متكاملة الدوافع والأسباب حول الوفاة، وتلقفته وسائل الإعلام كحقائق نهائية في وقت لا يملك فيه الرأي العام تفاصيل الملف القضائي كاملة، وهو ما يستدعي الحذر إذ لا ينبغي تحويل الاستنتاجات الأولية إلى أحكام قطعية في الوعي الجمعي قبل أن يقول القضاء كلمته الفصل.

ويلعب الإعلام الحكومي والأمني دوراً حيوياً ومقدراً في إرساء الحقائق، لكن التحدي المشترك بين صانع البيان وبين ناقله في وسائل الإعلام يكمن في الحفاظ على التوازن الدقيق بين حق الجمهور في المعرفة، وحق الأفراد في الخصوصية والكرامة.

مبدأ صحفي غائب: ليس كل ما تتوصل إليه التحقيقات يصلح للاستهلاك العام، وليست كل تفصيلة ترد في بيان رسمي مبرراً لإلغاء السياسة التحريرية والأخلاقية للمؤسسة الصحفية.

ما يحتاجه الجمهور هو الاطمئنان إلى أن القانون قد أخذ مجراه، وليس النبش في الندوب والجراح الخاصة التي حملتها الضحية في حياتها و إن الدولة التي تملك الأجهزة والقدرة لتشرح لنا بعد فوات الأوان كيف كانت امرأة تعاني الفقر والعوز والاستغلال، هي الدولة المطالبة أولاً بأن تشرح للرأي العام ماذا فعلت لحمايتها وإسنادها قبل أن تسقط في هذه الهاوية. وبالمثل، فإن وسائل الإعلام التي تسابقت لتعرية تفاصيل الضحية وظروفها مطالبة بمراجعة جادة لمنظومتها الإدارية والتحريرية التي أثبتت هذه الحادثة فقرها الأخلاقي والمهني.

كلمة أخيرة: لن تكتمل العدالة الحقيقية بمجرد إلقاء القبض على المتهمين بل تبدأ من اللحظة التي نقرر فيها صون كرامة من رحلوا، والوعي بأن خلف كل خبر أمني وجنائي كائناً بشرياً كانت له حياة، وأسرة، وأطفال، وأحلام.. وليس مجرد مادة خام لـ “التريند” في أدراج المؤسسات الإعلامية أو صفحات التواصل الاجتماعي.

زر الذهاب إلى الأعلى