منار الزبيدي
أكدت محكمة التمييز الاتحادية أن المطلقة الآيسة من المحيض لا تستحق السكنى ولا عدة عليها، باعتبار أنها ليست من النساء اللواتي تجب عليهن العدة شرعاً بعد الطلاق، في قرار قضائي أعاد فتح نقاش حساس يتجاوز حدود النصوص الفقهية والقانونية، ليصل إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة العدالة نفسها، وما إذا كانت المقاربة القانونية وحدها كافية لفهم ما يتركه الطلاق من آثار نفسية واجتماعية ومعيشية على النساء، خصوصاً في المراحل العمرية المتقدمة.

وبحسب وقائع الدعوى، ادعت المدعية بأن المدعى عليه طلقها وأرجعها ثم طلقها مجدداً، مطالبة بإثبات الرجعة وتصديق الطلاق الرجعي الواقع خارج المحكمة مع حقوقها الشرعية، إلا أن المحكمة اعتبرت الطلاق بائناً بينونة صغرى، وقررت عدم استحقاقها للسكنى لكونها “آيسة من المحيض” ولا عدة عليها. وعند الطعن بالحكم تمييزاً، صدقت محكمة التمييز القرار، معتبرة أن الحكم موافق للشرع والقانون، خصوصاً مع ثبوت اختيار الزوج تطبيق أحكام المذهب الشيعي الجعفري ومن الناحية القضائية البحتة، يبدو الحكم منسجماً مع الأساس القانوني والفقهي الذي اعتمدته المحكمة، خصوصاً أن القضاء ملزم بتطبيق النصوص النافذة، لا إعادة صياغتها وفق الانطباعات أو الاعتبارات العاطفية. لكن الأحكام القضائية، مهما كانت منضبطة قانونياً، لا تُقرأ دائماً بوصفها نصوصاً جامدة، لأنها تمس حياة بشرية كاملة تتجاوز حدود الملف القضائي.
الطلاق، في الواقع، لا يبدأ عند المحكمة ولا ينتهي عند صدور الحكم، بل يفتح أحياناً مرحلة جديدة من القلق وعدم الاستقرار، خاصة بالنسبة للنساء اللواتي أمضين سنوات طويلة داخل مؤسسة الأسرة دون امتلاك استقلال اقتصادي أو قدرة فعلية على إعادة بناء حياتهن بسهولة ،فالمرأة التي تصل إلى مرحلة عمرية متقدمة بعد عقود من الزواج، لا تخسر فقط “علاقة زوجية”، بل قد تفقد معها نمط الحياة الذي اعتادت عليه، والشعور بالأمان والاستقرار الذي تشكل عبر سنوات طويلة. ومن هنا تحديداً تظهر الإشكالية الأكثر حساسية؛ إذ يصبح حق المرأة في السكن أو النفقة مرتبطاً بحالتها البيولوجية، لا بواقعها الإنساني والمعيشي.
ومجرد بلوغ المرأة سن اليأس لا يعني بالضرورة أنها أصبحت قادرة على إعالة نفسها أو تأمين سكن مستقل أو تواجهة أعباء الحياة وحيدة، خصوصاً في مجتمعات ما تزال نسبة كبيرة من النساء فيها تعتمد اقتصادياً على الأسرة أو الزوج، وتواجه صعوبات حقيقية في العمل والاستقلال المعيشي بعد سن معينة، وتزداد حساسية هذه الأحكام إذا ما أُخذت بعين الاعتبار طبيعة المرحلة العمرية والنفسية التي تمر بها المرأة عند بلوغ سن اليأس، وهي مرحلة بيولوجية طبيعية تمر بها النساء غالباً في أواخر الأربعينيات أو بداية الخمسينيات، وتترافق أحياناً مع تغيرات نفسية واجتماعية معقدة، مثل القلق والخوف من فقدان الاستقرار أو التقدم في العمر ، وهنا تكون المرأة بحاجة إلى قدر أكبر من الدعم النفسي والاجتماعي والشعور بالأمان، لا إلى الإحساس بأنها فقدت جزءاً من قيمتها أو حقوقها بسبب تغير بيولوجي طبيعي خارج إرادتها. فالكثير من النساء في هذا العمر يكنّ قد أمضين سنوات طويلة في رعاية الأسرة والأبناء، وغالباً ما يكنّ أقل قدرة على إعادة بناء الاستقرار الاقتصادي أو النفسي بسهولة بعد الطلاق، ولهذا فإن التعامل مع المرأة “الآيسة من المحيض” بوصفها مجرد حالة فقهية أو بيولوجية قد يغفل جانباً إنسانياً بالغ الحساسية، لأن المرأة في هذه المرحلة لا تحتاج فقط إلى حسم وضعها القانوني، بل إلى حماية اجتماعية وشعور بالاستقرار والاحتواء النفسي والمعيشي.
و قد تجد المرأة نفسها في كثير من الحالات بعد الطلاق أمام واقع قاسٍ: لا زوج، ولا دخل ثابت، ولا حماية اجتماعية كافية، ولا قدرة سهلة على بدء حياة جديدة. وقد تضطر للعودة إلى منزل أسرتها إن وجد، أو الاعتماد على الأقارب، أو مواجهة ظروف اقتصادية ونفسية معقدة في مرحلة عمرية تكون فيها فرص الاستقرار والعمل وإعادة بناء الحياة أقل بكثير ، ولا تبدو المشكلة متعلقة فقط بخسارة النفقة أو السكن، بل أيضاً بالأثر النفسي العميق الذي قد يرافق هذا النوع من الأحكام. فمصطلح “المرأة اليائسة”، رغم كونه توصيفاً فقهياً وتقنياً مرتبطاً بانقطاع الحيض، قد يحمل في الوعي المجتمعي إيحاءات قاسية تمس صورة المرأة وكرامتها، وتختزلها في بعدها البيولوجي فقط، بعيداً عن كونها إنساناً يواجه تغيرات حياتية ونفسية معقدة.
وفي المجتمعات الشرقية تحديداً، لا يكون الطلاق حدثاً عادياً بالنسبة للنساء مهما كان العمر. فالمرأة المطلقة، خاصة إذا كانت متقدمة في السن وغير عاملة، قد تواجه بعد الطلاق شعوراً بالعزلة والخوف من المستقبل وفقدان المكانة الاجتماعية، فضلاً عن القلق المرتبط بتأمين الاحتياجات الأساسية للحياة، ولذلك فإن النقاش حول هذه الأحكام لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة مع القضاء أو مع المرجعيات الفقهية، لأن وظيفة المحكمة الأساسية تبقى تطبيق القانون ضمن الأطر النافذة. غير أن هذه الأحكام تكشف أحياناً وجود فجوة بين النصوص التقليدية والواقع الاجتماعي المتغير، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتعقيد الحياة الاقتصادية وتراجع شبكات الحماية الأسرية والاجتماعية.
ولعل السؤال الأهم اليوم لا يتعلق فقط بما إذا كانت المرأة تستحق “العدة” من الناحية الفقهية، بل بما إذا كانت المنظومة القانونية والاجتماعية الحالية توفر حماية كافية للنساء بعد الطلاق، خصوصاً في الحالات التي تكون فيها المرأة أقل قدرة على إعادة بناء استقرارها المعيشي والنفسي بسهولة، كما أن هذا الجدل يفتح باباً أوسع للنقاش حول التحولات التي يشهدها قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959، الذي عُدّ لعقود من أكثر القوانين توازناً في المنطقة، كونه لم يُبنَ بالكامل على مذهب واحد، بل حاول الجمع بين اجتهادات متعددة ضمن إطار قانوني موحد.
إلا أن الاتجاه نحو تطبيق الأحكام وفق “اختيار المذهب” بدأ يُظهر بصورة أوضح حجم التباينات الفقهية في القضايا المتعلقة بالطلاق والعدة والسكنى والنفقة، وما يمكن أن يترتب عليها من آثار اجتماعية وإنسانية مختلفة ، لذلك تبدو الحاجة اليوم ملحّة لمقاربة أكثر شمولاً لا تختزل حماية المرأة بمسألة العدة فقط، بل تنظر أيضاً إلى واقعها الاقتصادي والاجتماعي والعمر الذي وصلت إليه وظروفها الصحية والمعيشية ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة اليوم لفتح نقاش قانوني واجتماعي أوسع حول آليات حماية النساء المتقدمات في العمر بعد الطلاق، خصوصاً غير القادرات على إعالة أنفسهن أو اللواتي أمضين سنوات طويلة داخل مؤسسة الأسرة دون استقلال اقتصادي فعلي. فالحماية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود النصوص التقليدية فقط، بل يجب أن تمتد إلى بناء معالجات أكثر إنسانية وعدالة تراعي الواقع المعيشي والنفسي والاجتماعي للمرأة، خاصة في المراحل العمرية التي تصبح فيها فرص العمل والاستقلال الاقتصادي وإعادة بناء الحياة أكثر صعوبة.
وقد يشمل ذلك تطوير أنظمة حماية اجتماعية أكثر فاعلية للمطلقات، وتوفير برامج دعم سكني أو إعانات معيشية للفئات الأكثر هشاشة، فضلاً عن توسيع شبكات الرعاية الاجتماعية والصحية والنفسية للنساء بعد الطلاق، بما يمنع تحوّل المرأة بعد سنوات طويلة من الزواج إلى حالة من الهشاشة أو الخوف من الفقر والعزلة وفقدان الأمان كما تبرز الحاجة إلى مراجعات قانونية وتشريعية توازن بين الأساس الفقهي ومتطلبات الحماية الاجتماعية الحديثة، بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المجتمع، ويضمن عدم اختزال حقوق المرأة بوضعها البيولوجي أو العمر الذي وصلت إليه.
ولا تقع المسؤولية هنا على القضاء وحده، لأن المحكمة تبقى ملزمة بتطبيق النصوص النافذة، بل تمتد أيضاً إلى المشرّع والمؤسسات الحكومية ومنظومات الحماية الاجتماعية، فضلاً عن المؤسسات الدينية والإعلامية والمجتمعية، التي يفترض أن تسهم في بناء خطاب أكثر حساسية وإنصافاً تجاه النساء المطلقات، بعيداً عن الوصم أو الاختزال بوضع بيلوجي.
“سنّ اليأس لا ينبغي أن يتحول إلى يأسٍ من الحقوق، ولا يمكن للوضع البيولوجي أن يكون مبرراً لحرمان المرأة من الحق في الكرامة والأمان”




