من الواقع

خلف باب التسفيرات: حكايات تُخفيها عباءة الصمت

شبكة العدالة لحقوق السجناء في العراق توثق الاكتظاظ والتحرش الجنسي

العراق-منار الزبيدي

خلف ذلك الباب الحديدي الثقيل، حيث قاعة واحدة ضيقة لا تتجاوز مساحتها أمتاراً معدودة، كانت تجلس جمهرة من النساء. أغلبهنّ مغطيات الوجوه، يلففنَ أجسادهن بالحجاب والعباءة السوداء، ولا يظهر من ملامحهن سوى أجزاء صغيرة من العيون والأطراف الشاحبة، وبعضهنّ يرتدين نظارات طبية، ترتفع الأنفاس المثقلة بالحسرة لتزاحم الهواء الراكض والمختنق داخل القاعة، وتتسارع دقات قلوبهن بين رغبة جامحة في الحديث وسرد ما بداخلهم، وخوف قاهر من المساءلة أو عقاب نظرات السجانين.

في نفس الغرفة، يقع الحمام أو “المرافق” كما نسميه باللهجة العراقية، ليشارك المتواجدات ضيق المكان وانعدام الخصوصية. تتزاحم في تلك الغرفة أعمار مختلفة؛ نساء في الخمسينيات، وأخريات في الثلاثينيات والأربعينيات، يجمعهن الخوف والانكسار، والغريب بينهنّ وجود فتاتين صغيرتين قاصرتين، إحداهما انتهى بها المطاف هنا بعد أن قتلت والدها السكير بالخطأ، حين دافعت عن نفسها عندما حاول الاعتداء عليها بالسكين نفسه.

كانت الغرفة تعاني من رطوبة عالية وتخلو تماماً من أي وسيلة تبريد، في حين كانت درجة الحرارة في الخارج تتجاوز التسع وأربعين درجة مئوية في ذلك اليوم الصائف من شهر آب في مدينة الديوانية. كانت الزيارة في ساعات المساء، لكن حَرّ المكان وخنقته لم يكن بحدة النظرات المنكسرة والمتوسلة في عيون أولئك النساء؛ كل واحدة منهن تحمل قصة وجرحاً عميقاً، وكان الودّ ودهنّ سرد تفاصيلها لو أتيح المجال. كانت رغبتي شديدة في الجلوس معهنّ واحدة تلو الأخرى، لأسمع وأرى تعابير وجوههن المخفية خلف سواد الحجاب والعباءة، لولا السقف المحدود المتاح للزيارة والمحاذير الأمنية الشديدة التي تقيد نقل كل التفاصيل الحساسة حفاظاً على سلامتهن وخصوصيتهن.

من بين تلك النساء كانت تجلس “مريم” (اسم مستعار لحماية خصوصيتها وسلامتها)، فتاة عشرينية من مواليد عام ألفين، تختصر ملامحها سيرة ممتدة من الحرمان والاستغلال. تعرضت لاعتداء جنسي جماعي عندما كانت موقوفة في مركز شرطة النهضة. لم يكن ما تعرضت له من انتهاك صارخ لجسدها وكرامتها وروحها كافياً ليرأف بها المجتمع، بل زاد الجراح حين حاول البعض تبرير الجريمة بادعاء أنها “أغوت” أربعة رجال أمن بطولهم وعرضهم مع نقيبهم، ثم عادوا ليتحدثوا عن تبرير الانتهاك واتهام الضحية!

من هي هذه الضحية؟ هي أم لأربعة أطفال أخذهم والدهم بعد الانفصال. وقبل ذلك، كانت طفولة بلا أب بعد وفاته، وبلا أم بعدما ذهبت وتركتها. لم تكمل دراستها، لم تتلقَّ تعليماً أو توجيهاً، ولم تحظَ بأسرَةٍ أو رعاية أو يومٍ هانئ واحد تشعر فيه بإنسانيتها. استغلها أخوها وجعل منها وسيلة للتكسب المالي، وصدمت بمجتمع قاسي لم يمدّ لها يد عون تسندها، فكانت الأخطاء تترصدها في كل مكان، إلى أن أُلقي بها في “بيت الشعب” – المؤسسة الأمنية التي نفترض أنها المأوى الآمن الذي نودع فيه الأرواح أمانةً لحين البتّ في أمرهم.

في تلك الزاوية المظلمة، جلستُ قبالتها، لم تكن بالنسبة لي مجرد رقم في ملف تحقيقي، بل جسداً غلبه الإنهاك وروحاً كسرتها القسوة. كانت تجلس أمامي ببنية ضعيفة ونحيلة، تلفّ نفسها بحجاب وعباءة، وترتدي حذاءً رياضياً قديماً وجوارب. طوال اللقاء، لم ترفع رأسها عن الأرض، وكانت كلماتها تخرج مخنوقة بالدموع وهي تقول إنها لم تستطع الحديث في البداية عن الاعتداء خوفاً من الفضيحة والترهيب، لكنها اضطرت للإفصاح وتقديم الشكوى الرسمية بعد أن ظهرت الحقيقة إلى العلن.

كان مظهرها، ووجهها الشاحب، ونبرة صوتها الخائفة تدحض أي ادعاء مضلل يحاول وصف الجريمة بـ “الإغواء”؛ فكل شيء فيها يصرخ بأنها ضحية إكراه كامل وسيطرة مطلقة داخل بيئة مقيدة للحرية. ورغم وجود تفاصيل شهادة أخرى أدلت بها أثناء اللقاء، فإن الأمانة الأخلاقية والمهنية، إلى جانب المحاذير القانونية والإنسانية، تفرض الامتناع عن نشرها احتراماً لخصوصيتها ولضمان عدم إلحاق الأذى بها.

تُظهر هذه المواجهة الميدانية أن الضحية وأمثالها هنّ نتاج مجتمع متوحش وسلسلة متواصلة من الإهمال والخذلان، وأنهن بحاجة ماسة إلى تأهيل نفسي وصحي ودعم حقيقي، مما يكشف عن تقصير كبير لدى أغلب الجهات التي ترفع شعارات حقوق الإنسان والمرأة دون أن توفر حماية فعلية على الأرض.

تعود خلفية القصة إلى احتجاز الشابة داخل مركز شرطة النهضة في محافظة الديوانية على خلفية موقوفيتها وفق المادة (248) من قانون العقوبات العراقي المتعلقة بتضليل القضاء. وأثناء وجودها داخل المركز وفي موضع يُفترض أنه مأوى لإنفاذ القانون لحماية المواطنين وصون كرامتهم، تعرضت لاعتداء جنسي جماعي ارتكبه ضابط الخفر برتبة نقيب بمشاركة مفوض شرطة واثنين من منتسبي العقود، في جريمة تشكل انتهاكاً صارخاً للكرامة الإنسانية وإساءة استغلال للسلطة الممنوحة لهم.

قادتني تلك المشاهد الى مراجعة التقارير التي وثقتها منظمات المجتمع المدني حول واقع احتجاز النساء في العراق  بالأرقام والدراسات، فقصة “مريم” والمشاهدات الحية من داخل توقيف التسفيرات جسدت واقعاً ثابتاً بالأرقام والمؤشرات الحقوقية، حيث كشفت التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية، وبشكل خاص التقرير  السادس الصادر في عام 2024  بعنوان  ادعاءات الممارسات الجنسية في  السجون والاصلاحيات ومراكز الاحتجاز في العراق والذي اعتمد على جهود ميدانية تحليلة وكذلك التقرير السابع المنذور في ايار 2024 حول الاكتظاظ في السجون والاصلاحيات  كشف عن مؤشرات دقيقة تعكس الواقع المعيشي والأمني للمحتجزات، والتي تتلخص ب :الاكتظاظ وتدهور الظروف، حيث أوضح تقرير “الاكتظاظ في السجون” أن 90% من السجون ومراكز الاحتجاز تعاني من الاكتظاظ الشديد الذي يشمل سجون النساء والأحداث والرجال، مما يؤدي إلى ضعف التصنيف وتأخير حسم الدعاوى وتفاقم المشكلات الصحية والاجتماعية.

لا تبدو الظروف التي تعيشها النساء داخل أماكن الاحتجاز منفصلة عن واقع المنظومة السجنية في العراق. فرغم أن سجون النساء تُعد أقل اكتظاظًا نسبيًا من سجون الرجال، إلا أنها ما تزال تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الدولية المتعلقة بالمساحة المخصصة لكل نزيلة، والتهوية، والرعاية الصحية، والنظافة، والخدمات الأساسية.

وتؤكد تقارير مشروع مرصد السجون العراقي هذه الإشكاليات بشكل واضح. فقد أشار التقرير السابع حول الاكتظاظ في السجون إلى أن غالبية المؤسسات السجنية في العراق تشغل مباني قديمة، أو ثكنات عسكرية سابقة، لا تتوافق مع المعايير الدولية الخاصة بتصميم وإدارة المؤسسات الإصلاحية، سواء من حيث المساحات المخصصة للنزلاء، أو التهوية، أو المرافق الخدمية، أو أماكن تناول الطعام، أو الورش الإنتاجية، أو قاعات اللقاءات العائلية والزيارات، أو المساحات الخضراء، أو ساحات الرياضة، أو المكتبات، أو المدارس. كما أكد التقرير أنه لم تُسجل أي مؤسسة إصلاحية تطبق التصنيف الفئوي للنزلاء وفقًا للمعايير الدولية من حيث الجنس، والعمر، ومستوى الخطورة، بما يحقق أهداف الإصلاح والتأهيل، إذ يقتصر التصنيف في أغلب المؤسسات على نوع الجريمة فقط.

وفيما يتعلق بأوضاع النساء والفتيات، وثّق التقرير نفسه استمرار احتجاز فتيات أحداث وقاصرات مع النساء البالغات في بعض المؤسسات الإصلاحية نتيجة نقص الأماكن المخصصة والكوادر الإدارية والحارسات، وهو ما يشكل انتهاكًا لمبدأ الفصل بين الفئات العمرية، ويزيد من احتمالات تعرضهن للمخاطر والانتهاكات. كما أشار إلى استمرار وجود الأطفال المرافقين لأمهاتهم داخل السجون، مؤكدًا الحاجة إلى معالجات تشريعية وإدارية عاجلة تضمن حماية حقوق الأطفال والأمهات على حد سواء.

أما التقرير السادس حول التحرش الجنسي في السجون فقد كشف مؤشرات مقلقة بشأن حجم الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز. إذ أفادت 40% من الإدارات السجنية المشمولة بالدراسة بوجود ادعاءات تتعلق بالتحرش الجنسي، فيما بينت النتائج أن 70% من حالات التحرش المبلغ عنها تقع خلال مرحلة التحقيق، مقابل 30% داخل المؤسسات السجنية أو بين النزلاء. كما تنوعت أشكال التحرش بين التحرش اللفظي والإيحاءات الجنسية بنسبة تراوحت بين 60 و65%، والتحرش الجسدي المباشر بنسبة تقارب 30%.

ورصد التقرير ذاته ضعفًا واضحًا في منظومة الحماية والرقابة؛ إذ رأى 80% من المشاركين أن الإجراءات المتخذة لحماية السجناء والسجينات من الاعتداءات غير كافية، في ظل غياب دوائر الادعاء العام عن 50% من المواقع السجنية، وعدم خضوع 59.4% منها لرقابة خارجية، وانعدام الزيارات المنتظمة للمنظمات الحقوقية والدولية في 65.6% من مواقع الاحتجاز.

كما خلص التقرير إلى أن كثيرًا من النساء ضحايا العنف الجنسي أو التحرش يمتنعن عن تقديم شكاوى رسمية، بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية، وضغوط الأعراف السائدة، وصعوبة إثبات الانتهاكات، الأمر الذي يجعل العديد من هذه الجرائم غير معلنة، ويعزز مناخ الإفلات من المساءلة.

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة عند قراءتها في ضوء الوقائع التي شهدتها محافظة الديوانية، إذ تكشف أن حوادث الاعتداء الجنسي داخل أماكن الاحتجاز لا يمكن النظر إليها بوصفها وقائع معزولة او مقترنة بمحافظة دون اخرى وإنما باعتبارها جرس إنذار يستدعي مراجعة شاملة لبيئة الاحتجاز في جميع المحافظات العراقية وتعزيز آليات الرقابة والمساءلة، وضمان وجود كوادر نسائية متخصصة، وتوفير بيئة آمنة تحفظ كرامة النساء الموقوفات والسجينات.

واصدرت شبكة العدالة للسجناء في العراق توصيات هاملة لمعالجة الاكتظاظ وتحسين ظروف الاحتجاز اهمها:

تحديث وتوسعة البنية التحتية: بناء مؤسسات سجنية حديثة ومجمعات عدلية تتناسب مع النمو السكاني، وتوفر مساحات معيارية للورش الإنتاجية، التعليم، الرياضة، الرعاية الصحية، والمساحات الخضراء، إضافة إلى تنظيم الزيارات العائلية والخلوة الشرعية.

إصلاح الإجراءات القضائية: الإسراع في حسم الدعاوى المعلقة لتفادي تجاوز المدد القانونية للتوقيف، وتصحيح التكييف القانوني للتهم، وتوسيع نطاق الإفراج الشرطي والكفالات الشخصية والمالية للموقوفين.

تفعيل العقوبات البديلة: اعتماد البدائل القانونية للعقوبات السالبة للحرية في الجرائم غير العمدية أو التي تقل عقوبتها عن سنة ولا تشكل خطراً على الأمن المجتمعي، مع إعادة النظر في النصوص الجزائية للجرائم غير الخطرة (مثل التسول والكمائن الاجتماعية) وإيجاد حلول تأهيلية لها بدلاً من السجن.

دعم برامج التأهيل وإعادة الإدماج: سد النقص الحاد في الكوادر الاجتماعية والنفسية لتقديم الدعم السلوكي والاقتصادي للنزلاء داخل السجون وخارجها لضمان عدم العود الجرمي، إلى جانب زيادة الكوادر الأمنية والصحية والإدارية والفصل التنظيمي للإدارات السجنية.

أما توصيات معالجة الحد من التحرش والعنف الجنسي في السجون ومراكز الاحتجاز فقد اوصت التقارير ب :

الإشراف والرقابة القضائية: فتح دوائر للادعاء العام داخل جميع السجون ومراكز الاحتجاز لضمان المراقبة المباشرة على سير التحقيقات (خصوصاً التابعة لوزارة الداخلية)، وسحب الملف التحقيقي من الفردية لضمان العدالة وتجنب الانتهاكات.

التشريع والمساءلة: إصدار قوانين خاصة أو تعديل التشريعات النافذة (كالترسيخ والمواد 400، 401، 402 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969) لتجريم كافة أشكال التحرش والعنف الجنسي بوضوح، وفرض عقوبات صارمة على الجناة سواء كانوا نُزلاء أو كوادر تحقيقية وإدارية.

الاستراتيجيات الوطنية والخدمات: إقرار استراتيجية شاملة تُعنى بتوثيق كافة ادعاءات الاعتداءات والتحقيق فيها بجدية، وتوفير خدمات الدعم النفسي والقانوني والحيادي للضحايا، مع تكثيف آليات حماية الموظفين من البلاغات الكاذبة.

التدريب والتوعية التخصصية: تنظيم برامج تدريبية مستمرة أثناء الخدمة للكوادر السجنية حول معايير حماية حقوق الإنسان، وإقامة برامج تثقيفية دورية للنزلاء تشرح حقوقهم وسياسات الإبلاغ الآمن عن الانتهاكات.

حين يُغلق ذلك الباب الحديدي، لا ينتهي الخوف بل يبدأ صمتٌ أشد قسوة من العزلة نفسها. خلف تلك القضبان الخرسانية، لا تُسلب النساء حريتهن وحسب، بل يُجرّدن من أبسط مقومات الآدمية؛ حيث تنمحك الملامح، وتتحول الأسماء إلى أرقام، وتتحول الأجساد الضعيفة إلى مساحة مستباحة للإهمال أو الانتهاك.

إن معاناة أولئك النساء ليست مجرد حكايات تُروى في تقارير حقوقية، ولا ملفاتٍ تُطوى بعد صدور الأحكام، بل هي أوجاعٌ حية تتردد أصداؤها في الهواء المختنق لتلك الزنازين. إنها شهادةٌ على مجتمعٍ يبني جدراناً عالية ليدفن فيها ضحاياه، بدلاً من أن يمدّ أيديه ليحمي الهشاشة من التلاشي.

وحين تضيع العدالة داخل بيوت إنفاذ القانون، تصبح القضبان ليس فقط حابسةً لأجساد السجينات، بل شاهداً صامتاً على انكسار روح الإنسان في أكثر أماكنها احتياجاً للأمان.

المصدر: التقارير الحقوقية الدورية (التقرير السادس والتقرير السابع) المنشورة عبر المنصات الرسمية لـ شبكة العدالة للسجناء في العراق، والصادرة ضمن مشاريع تحسين أوضاع حقوق الإنسان للمحكومين والموقوفين بالتعاون مع المنظمات الشريكة.

إخلاء المسؤولية القانونية

تنويه قانوني: إنّ التوصيات والمعطيات الواردة أعلاه تستند حصراً إلى البيانات والدراسات الميدانية التوثيقية المنشورة علناً في التقارير الدورية لـ (شبكة العدالة للسجناء في العراق)؛ ويُعرض هذا الملخص لغايات النشر البحثي والتوعوي دون أدنى مسؤولية قانونية أو إدارية على الناشر فيما يتعلق بالإحصاءات أو التكييفات الواردة في الأصل.

 

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى