أخبار ومقالاتتلفزيون المنارغير مصنفقصص وتقاريرقضايا المرأة

من يحرس الحراس؟حادثة الاعتداء على موقوفة في مركز شرطة النهضة تضع وزارة الداخلية العراقية أمام اختبار حماية النساء واستعادة الثقة

العراق -منار الزبيدي

شهدت محافظة الديوانية (180 كم جنوب العاصمة بغداد) ليلة الثامن والعشرين من تموز/يوليو 2026 حادثة هزت الرأي العام، تمثلت في اعتداء جنسي من قبل ضابط برتبة نقيب وثلاثة منتسبين أحدهما برتبة نقيب و شرطيين اثنين يعملون في مركز شرطة حي النهضة بالاعتداء الجنسي على فتاة موقوفة تبلغ من العمر 26 عاماً.

هذه الجريمة أخرجت العبارة العراقية الشائعة “على الحراس كون نخلي حراس” التي جرى تداولها بشكل واسع من قبل مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي ، من إطارها الغنائي لتتحول إلى سؤال عاجل يمسّ مسؤولية مؤسسات إنفاذ القانون ومدى فاعلية الرقابة داخل أماكن يفترض أن تكون ملاذاً آمناً لمن يلجأ إليها بحثاً عن العدالة،وجرى تداولها بواسطة عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي .

وعلى خلفية الحادثة، أثارت القضية ردود فعل غاضبة واسعة، مما دفع وزارة الداخلية وقيادة شرطة الديوانية إلى تشكيل مجلس تحقيقي عاجل واتخاذ إجراءات قانونية سريعة بحق المتهمين وإحالتهم إلى القضاء. وفي هذا السياق، أكد الوكيل الأقدم لوزارة الداخلية، حسين العوادي،عدم التتهاون مع أي انتهاك يمس كرامة الإنسان أو يسيء استخدام السلطة، مشدداً على أن هذه الأفعال اللاأخلاقية تصرفات فردية لا تمثل مبادئ الوزارة ولا أخلاقيات رجل الشرطة.

وتكمن أهمية هذه القضية في أن الضحية كانت موقوفة ومكفلة  داخل مركز شرطة،ما يعني أنها كانت تحت مسؤولية الدولة المباشرة، وأن واجب المؤسسة الأمنية لا يقتصر على تنفيذ القانون، بل يشمل حماية سلامة وكرامة كل شخص يوجد تحت سلطتها وأن أي اعتداء داخل أماكن الاحتجاز يمثل انتهاكاً خطيراً لواجب الحماية، ويؤثر بشكل مباشر على علاقة المواطن بمؤسسات إنفاذ القانون.

وبحسب المعلومات المتوفرة حول القضية، فإن الضحية كانت موقوفة بقرار قضائي بقضية ترتبط بالمادة ،(248) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل النافذ  وكانت مكفلة قانونياً، إلا أن عدم حضور شخص يتولى كفالتها أدى إلى استمرار توقيفها منذ تاريخ 22/7 ولغاية الآن، وتشير المعلومات إلى أن ظروفها الاجتماعية تزيد من هشاشة وضعها، إذ إن والدها متوفى وتعيش مع اقاربها، الأمر الذي يسلط الضوء على واقع بعض النساء الموقوفات اللواتي يفتقدن إلى الدعم الأسري أو الاجتماعي الذي يساعدهن في الإجراءات القانونية.

الضحية ليست مسؤولة

لا يمكن النظر إلى النساء الموجودات في أماكن الاحتجاز باعتبارهن جميعاً مدانات، فالكثير منهن يُعدّن ضحايا لظروف اجتماعية قاهرة، أو ضحايا للعنف والاستغلال والأوضاع التي أجبرتهن على مواجهة منظومة العدالة دون مظلة حماية كافية وفي هذا السياق، ينبغي التنبيه إلى أن تداول معلومات غير دقيقة وتوجيه اتهامات باطلة للضحية ليس سوى محاولة لصرف الانتباه عن جوهر القضية، والتغطية على الفشل في حماية امرأة كانت تحت السلطة المباشرة للدولة وتعرّضت لانتهاك صارخ داخل مؤسسة أمنية حكومية كما إن إبعاد المسؤولية عن الجناة وتحميل الضحية تبعات ما تعرضت له لا يمثل إجحافاً بحقها فحسب، بل يبعث برسالة تخويف لنساء أخريات، مما يدفعهن للتراجع عن الإبلاغ عن الانتهاكات خشية التشهير والوصمة الاجتماعية.

مؤشر على ثغرات مؤسسية

رغم أن التحقيقات القضائية هي التي تحدد المسؤوليات، إلا أن القضية فتحت نقاشاً أوسع حول منظومة الرقابة داخل مراكز الشرطة، ومدى وجود ضمانات كافية لحماية النساء والفتيات أثناء التوقيف والاستجواب، فالأسئلة التي تفرض نفسها اليوم لا تتعلق فقط بما حدث في هذه القضية، بل بما قد لا يصل إلى الضوء: كم من انتهاك بقي خلف جدران مراكز الشرطة ولم يصل إلى الجهات الرقابية؟ كم من ضحية خشيت الإبلاغ خوفاً من الوصمة الاجتماعية أو التشهير أو عدم تصديق روايتها؟وكم من امرأة اختارت الصمت لأنها لا تمتلك دعماً اجتماعياً أو قانونياً؟ أن هذه التساؤلات لا تعني التعميم على جميع منتسبي الأجهزة الأمنية، فهناك آلاف الضباط والمنتسبين الذين يؤدون واجبهم وفق القانون، لكنها تؤكد أن أي تجاوز داخل مؤسسة أمنية ينعكس على سمعة المؤسسة بأكملها إذا لم يُواجه بالمحاسبة والإصلاح.

أين الخفر النسوي؟

تسلط هذه القضية الضوء على أهمية وجود عناصر نسوية مؤهلة داخل مراكز الشرطة، ولا سيما خلال الخفارات، للتعامل مع النساء والفتيات الموقوفات أو المراجعات للمراكز الأمنية، وكان مكتب حقوق الإنسان في الديوانية قد طالب في مناسبات سابقة بضرورة توفير شرطيات خفر داخل مراكز توقيف واحتجاز النساء، لضمان وجود كوادر نسوية مختصة قادرة على التعامل مع الموقوفات وحماية حقوقهن، إلا أن استمرار غياب هذه الإجراءات يكشف وجود فجوة بين التوصيات الحقوقية والتطبيق العملي، فوجود الشرطيات ليس مجرد زيادة في أعداد النساء داخل المؤسسة الأمنية، بل يمثل ضمانة إضافية للحماية، خصوصاً في إجراءات التفتيش، والاستجواب، ومتابعة أوضاع المحتجزات.

وتتطلب معالجة هذا الملف، توفير شرطيات ضمن نظام الخفارات في مراكز الشرطة على مدار الساعة ،و حصر احتجاز النساء والفتيات في مراكز تتوفر فيها كوادر نسوية مدربة و ضمان عدم التعامل مع القاصرات والنساء في إجراءات الاحتجاز دون وجود عنصر نسوي مختص الى جانب اعتماد آليات رقابة مستقلة لمتابعة أوضاع النساء داخل أماكن التوقيف.

قرار 1325.. بين الالتزام و  التطبيق

تضع هذه الحادثة ملف حماية النساء داخل مؤسسات إنفاذ القانون ضمن النقاش الأوسع حول التزام العراق بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي 1325 الخاص بالمرأة والسلام والأمن، والخطة الوطنية المرتبطة به ويشمل القرار محاور أساسية تتعلق بمشاركة النساء، وحمايتهن، والوقاية من العنف، وضمان وصولهن إلى آليات العدالة والأمن بصورة آمنة وفعالة ورغم أن حادثة واحدة لا تعني فشل الخطة الوطنية بالكامل، فإنها تكشف عن تحديات في تحويل الالتزامات إلى ممارسات عملية داخل المؤسسات، خصوصاً فيما يتعلق بزيادة مشاركة النساء في القطاع الأمني، وتوفير بيئة مؤسسية تراعي احتياجات النساء والفتيات عند التعامل معهن كموقوفات أو ضحايا ، فنجاح الخطط الوطنية لا يقاس بوجودها على الورق فقط، بل بمدى انعكاسها على حياة النساء داخل المؤسسات وفي المجتمع.

من المحاسبة إلى الإصلاح

إن اتخاذ إجراءات قانونية بحق المتهمين يمثل خطوة مهمة في مسار العدالة، لكنه لا يكفي وحده لاستعادة ثقة المواطنين، فالمرحلة المقبلة تتطلب مراجعة شاملة لمنظومة العمل داخل مراكز الشرطة من خلال تعزيز الرقابة الداخلية والتفتيش المفاجئ على أماكن الاحتجاز و التأكد من عمل كاميرات المراقبة وحفظ التسجيلات و تدريب منتسبي الأجهزة الأمنية على حقوق الإنسان وأخلاقيات العمل الشرطي تطوير آليات سرية وآمنة لتلقي شكاوى المحتجزين و تعزيز وجود النساء داخل المؤسسات الأمنية اضافة الى ضمان عدم تعرض أي موقوف أو موقوفة للانتهاك بسبب وضعه الاجتماعي أو طبيعة التهمة.

الثقة لا تعود إلا بالإصلاح

هيبة المؤسسة الأمنية لا تُبنى بإخفاء الأخطاء، بل بقدرتها على كشفها ومعالجتها ومنع تكرارها ، فالمواطن وخاصة النساء  بحاجة إلى الشعور بأن مركز الشرطة هو المكان الذي يحميه عندما يتعرض للخطر، وليس المكان الذي يخشى الوصول إليه وإن حادثة مركز شرطة النهضة تمثل اختباراً حقيقياً لوزارة الداخلية” ليس فقط في كيفية التعامل مع قضية محددة، بل في قدرتها على تطوير منظومة تضمن حماية المحتجزين، وتعزز مشاركة النساء داخل الأجهزة الأمنية، وتعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات إنفاذ القانون، ويبقى السؤال الذي فرضته هذه القضية:إذا كان الحارس مسؤولاً عن حماية الناس.. فمن يراقب الحارس؟ والجواب يبدأ بالشفافية، ويكتمل بالإصلاح، ويثبت عندما يشعر كل مواطن أن كرامته مصونة تحت حماية القانون.

 من المحاسبة إلى التعافي

إن التعامل مع الانتهاكات التي تقع داخل المؤسسات الحكومية لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الإجراءات العقابية أو القضائية بل يستدعي تحركاً عاجلاً ومسؤولاً من المنظمات النسوية، والمجلس الأعلى للمرأة، والجهات الحكومية المعنية بملف حماية النساء. إن المرحلة الراهنة تتطلب تبني موقف وطني واضح وخطط عمل مشتركة تهدف إلى تقديم برامج الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني (التعافي الشامل) لضحايا الانتهاكات داخل مؤسسات إنفاذ القانون. كما تقتضي الحادثة العمل على سد الفجوات التنفيذية في الخطة الوطنية للقرار 1325، لضمان ألا تترك الضحايا يواجهن الصدمة والوصمة الاجتماعية بمفردهن، ولتحويل الاستجابة من ردود أفعال مؤقتة إلى منظومة حماية واستعادة عافية مستدامة.

إن حادثة مركز شرطة النهضة تتجاوز كونها خرقاً فردياً لتشكل مؤشراً خطيراً يهدد ثقة النساء بالمؤسسة الأمنية، مما يتطلب استجابة حاسمة تتجاوز العقاب الفوري نحو إصلاح شجاع وهييكلي. يبدأ هذا الإصلاح بتدريب مستمر للمنتسبين/ات على أخلاقيات حقوق الإنسان، وتطبيق نظام رقابة وتوجيه دائم، وتفعيل الخفر النسوي في كافة مراكز الاحتجاز.

كما يقع على عاتق الجهات الحقوقية دور رقابي فاعل لا يقف عند حدود الخطابات الرسمية، بل يمتد لمعالجة الثغرات ميدانياً أو كشفها أمام الإعلام عند عدم استجابة الجهات المعنية، وفي ظل محاولات التضليل الإعلامي التي تلجأ لـ “لوم الضحية” للتخفيف عن الجناة، يبرز واجب المؤسسات الرسمية والمنظمات النسوية في مواجهة هذا الخطاب التمييزي، وتقديم الدعم النفسي والقانوني الشامل للضحايا لضمان تعافيهن، إلى جانب تحديث الخطط الوطنية لمناهضة العنف بما يتناسب مع حجم التحديات الميدانية تجسيداً لروح القرار 1325 وضماناً لعدالة صريحة لا تساوم على كرامة المرأة.

زر الذهاب إلى الأعلى