أخبار ومقالات

دور إيواء المشردات الأحداث في العراق.. أماكن إصلاح أم بيئات تعيد إنتاج العنف؟

منار الزبيدي

تفتقر معظم المحافظات العراقية إلى دور متخصصة لإيواء المشردات من الأحداث، إذ تتركز هذه الدور في بغداد فقط، وهي مؤسسات يفترض أن تكون ذات طابع إصلاحي وتأهيلي تابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية. إلا أن شهادات وتقارير حقوقية تشير إلى أن واقع هذه الدور لا ينسجم مع وظيفتها المفترضة، إذ تعيش العديد من النزيلات، وهن في الغالب فتيات مراهقات ناجيات من العنف، في ظروف صعبة تتسم بالعزلة وغياب برامج التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي.

وتعد دار المشردات في منطقة الأعظمية ببغداد من أبرز النماذج التي أثارت جدلا واسعا حول أوضاع هذه المؤسسات. فقد زارت الناشطة النسوية أفراح شوقي الدار متخفية بصفة موظفة حكومية بهدف الاطلاع على أوضاع النزيلات، ووصفت ما شاهدته بأنه بيئة مغلقة تفتقر إلى مقومات الإصلاح الحقيقي.

وقالت شوقي إن الدار كانت “معتمة ومغلقة على جدرانها قصص كثيرة من المعاناة”، مشيرة إلى أن الفتيات تعرضن، بحسب شهاداتهن، إلى أشكال مختلفة من العنف والإهمال، من بينها الضرب والشتم والتحرش. وأضافت أن طبيعة المكان، بما يحيط به من أسوار مرتفعة وإجراءات أمنية مشددة، جعلت النزيلات يشعرن وكأنهن في مؤسسة عقابية وليس دارا للرعاية والتأهيل.

وأوضحت شوقي أن حياة الفتيات داخل الدار كانت تقتصر على الروتين والانتظار، مع محدودية الأنشطة المتاحة، إذ لم تتوفر -بحسب شهادتها- برامج ترفيهية أو تأهيلية كافية تساعدهن على تجاوز التجارب الصعبة التي مررن بها.

وأضافت: “لا يمكن اعتبار تلك الدار إصلاحا وتأهيلا، بل هي مكان للتعذيب النفسي، إذ غابت عنها البرامج التي تعيد بناء الثقة بالنفس وتمنح الفتيات فرصة للاندماج في المجتمع، حتى فقدت بعضهن الرغبة بالحياة”.

ما بعد سن الثامنة عشرة.. فراغ قانوني واجتماعي

تنتهي مسؤولية دار تأهيل الأحداث عن الفتاة عند بلوغها سن الثامنة عشرة وفقا للفقرة الثانية من نظام دار تأهيل الأحداث رقم (32) لسنة 1971، حيث لا يسمح لها بالمغادرة إلا بموجب أمر قضائي أو بتسلم أحد أقاربها لها.

إلا أن المشكلة تكمن في أن عددا كبيرا من النزيلات لا يمتلكن أسرا قادرة أو راغبة في استلامهن، ما يضعهن أمام خيارات صعبة، بحسب أفراح شوقي، من بينها البقاء في الدار والعمل داخله مقابل توفير السكن والطعام دون أجر، أو تزويجهن لأشخاص يتقدمون لذلك، وهو ما يثير تساؤلات حول آليات الحماية والرقابة التي ترافق هذه القرارات.

وأكدت شوقي أن الحكومة لم تقدم حلولا واضحة لضمان مستقبل الفتيات بعد انتهاء فترة الإيداع القانونية، بما يضمن استقلالهن وحمايتهن من الاستغلال.

حريق دار الأعظمية.. مأساة كشفت حجم الإهمال

شهدت دار مشردات الأعظمية حادث حريق مأساوي أدى إلى وفاة ست نزيلات تتراوح أعمارهن بين 14 و19 عاما، إضافة إلى إصابة أخريات بحالات اختناق وإصابات مختلفة.

ورغم التصريحات الرسمية التي أعقبت الحادث، بقيت ملابسات الحريق موضع جدل، إذ أشارت بعض الجهات إلى وجود إهمال وانتهاكات متراكمة داخل الدار سبقت وقوع الحادث.

وبحسب مصدر خاص في المفوضية العليا لحقوق الإنسان تحدث إلى موقع الجزيرة نت، فإن الحريق كان نتيجة تراكمات نفسية وضغوط شديدة تعرضت لها النزيلات، مشيرا إلى أن الفتيات واجهن، بحسب المعلومات التي قدمها، التهديد والضرب والتقييد والمعاملة المهينة، فضلا عن استخدام عبارات جارحة بحقهن وتذكيرهن بالتجارب المؤلمة التي مررن بها.

وأضاف المصدر أن هناك ادعاءات بوقوع انتهاكات أخلاقية وتحرش واستغلال جنسي من قبل بعض الحراس، مؤكدا أن هذه المعلومات كانت من بين الأسباب التي دفعت إلى المطالبة بإجراء تحقيقات موسعة حول ظروف الدار وآليات الرقابة عليها.

وأشار المصدر أيضا إلى أن الضغوط النفسية داخل الدار أدت إلى تفاقم المشكلات النفسية بين النزيلات وزيادة محاولات إيذاء النفس، وسط غياب برامج متخصصة للدعم النفسي والاجتماعي.

كما ذكر أن بعض الفتيات، ومن بينهن صغيرات في السن، تعرضن للضرب والإهانة ووصفهن بعبارات مهينة من قبل بعض العاملات، ما شكل انتهاكا إضافيا لكرامتهن الإنسانية.

توصيات لإصلاح منظومة الرعاية

أكدت هيئة النزاهة في توصياتها ضمن تقريرها الخاص بالقضية وجود عدد من المخالفات، ودعت إلى إعادة النظر في قانون رعاية الأحداث، ولاسيما الأحكام المتعلقة بالمشردات، ووضع ضوابط تضمن متابعة أوضاع الفتيات بعد انتهاء مدة الإيداع أو بعد الزواج أثناء وجودهن في الدار.

كما أوصت الهيئة بتعزيز إجراءات الحماية داخل الدار، وتوفير أماكن خاصة للحراس خارج أماكن إقامة النزيلات، ومنع دخولهم إلا في حالات الضرورة، إضافة إلى ضرورة توفير كادر نسوي متخصص للحراسة والرعاية خلال ساعات النهار والليل.

وتكشف هذه القضية عن حاجة ملحة لإعادة تعريف دور مؤسسات رعاية الأحداث في العراق، بحيث تنتقل من نموذج قائم على العزل والسيطرة إلى نموذج يقوم على الحماية وإعادة التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي، بما يحفظ كرامة الفتيات ويمنع تعرضهن لانتهاكات جديدة بعد نجاتهن من العنف.

في ختام هذا التقرير، يتبين أن واقع دور إيواء وتأهيل المشردات في العراق يتجاوز كونه مجرد نقص في الخدمات أو ضعف في البنية التحتية، ليصبح قضية رأي عام تمس مباشرة جوهر حقوق الإنسان وكرامة الفئات الأكثر هشاشة. إن الحوادث المأساوية، وفي مقدمتها حريق دار الأعظمية، لم تكن سوى جرس إنذار كشف عن حجم الإهمال والخلل الهيكلي في منظومة الرعاية الاجتماعية، محولةً هذه المؤسسات من ملاذات آمنة للإصلاح والتأهيل إلى بيئات مغلقة تضاعف من معاناة النزيلات وتفرز شكلاً آخر من أشكال العنف والتعذيب النفسي.

ولضمان عدم تكرار هذه الفواجع، وتحويل دور الرعاية من نموذج العزل والسيطرة الأمني إلى نموذج الحماية والتمكين، نورد التوصيات الواقعية التالية:

أولاً: الإصلاح التشريعي وتغطية الفراغ القانوني تعديل قانون رعاية الأحداث ونظام دار تأهيل الأحداث رقم (32) لسنة 1971، لمعالجة المعضلة القانونية التي تواجه الفتيات عند بلوغهن سن الثامنة عشرة. يجب إيجاد صيغ قانونية تضمن إنشاء “بيوت آمنة مؤقتة” أو “دور الانتقال المستقل” للفتيات اللاتي يفتقرن للبيئة الأسرية الآمنة، وتزويدهن بالدعم القانوني والمعيشي بدلاً من تركهن لمصائر مجهولة أو إجبارهن على قرارات مصيرية ك الزواج غير المضمون.

ثانياً: تأنيث الكوادر وتطوير البيئة الأمنية والرقابية إعادة هيكلة نظام الحراسة والإدارة داخل دور الإيواء بشكل كامل، بحيث يقتصر التعامل المباشر داخل أروقة الدار وسكن النزيلات على كوادر نسائية مدربة ومصنفة مسلكياً ونفسياً على مدار الساعة. كما يجب إخراج الحراس الذكور إلى النقاط الخارجية فقط، وتزويد الدور بآليات رقابة إلكترونية (كاميرات) ترتبط بغرف تفتيش مركزية ومستقلة تابعة لوزارة العمل والمفوضية العليا لحقوق الإنسان لمنع أي انتهاكات أو تجاوزات.

ثالثاً: التحول من الرعاية الإيداعية إلى برامج الدعم النفسي والتمكين المهني استبدال النمط الروتيني العقابي ببرامج تأهيلية وشاملة تُشرف عليها كوادر متخصصة في الطب النفسي والبحث الاجتماعي للتعامل مع اضطرابات ما بعد الصدمة للناجيات من العنف. يتزامن ذلك مع إدخال ورش للتعليم والتدريب المهني والمهارات الرقمية واليدوية التي تمنح الفتيات فرصة حقيقية لبناء الاستقلالية المالية، وتعزيز ثقتهن بأنفسهن لتسهيل اندماجهن في المجتمع.

رابعاً: تفعيل الرقابة المستقلة وتوفير قنوات الإبلاغ الآمن منح المفوضية العليا لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني المختصة بالمرأة والطفل صلاحيات الاستجابة السريعة والزيارات الميدانية المفاجئة دون إشعار مسبق لتقييم أوضاع الدور. بالإضافة إلى إنشاء صندوق شكاوى سري وآمن أو خط ساخن مباشر تواصل من خلاله النزيلات التبليغ عن أي سوء معاملة أو استغلال دون خوف من العقاب أو الانتقام من قبل إدارة الدار.

خامساً: اللامركزية التوسعية وإنهاء التمركز في العاصمة وضِع خطة حكومية استراتيجية لتأسيس دور تأهيلية متخصصة ومجهزة وفق المعايير الدولية في مختلف المحافظات العراقية، وعدم اقتصارها على بغداد، وذلك لتخفيف الاكتظاظ عن الدور الحالية، وضمان التواجد الجغرافي الذي يراعي ظروف النزيلات وتسهيل متابعة حالاتهن دون تكشيم الأسر وعناء السفر.

زر الذهاب إلى الأعلى