أخبار ومقالاتتلفزيون المنارقصص وتقاريرمن الواقع

حادثة مركز النهضة في الديوانية”ناقوس خطر يكشف الفجوات المؤسسية في إدارة احتجاز النساء بالعراق

العراق - منار الزبيدي

لم تعد الحادثة التي شهدتها محافظة الديوانية والمتعلقة بالتحقيق في تعرض موقوفة لاعتداء داخل أحد أماكن الاحتجاز مجرد قضية جنائية تُنظر أمام المحاكم المختصة، بل تحولت إلى ناقوس خطر يكشف عن خلل مؤسسي عميق يستوجب مراجعة شاملة لسياسات إدارة أماكن احتجاز النساء في العراق. إن هذه القضية، وبغض النظر عن النتائج النهائية للتحقيقات القضائية، تفرض أسئلة جوهرية تتجاوز حدود الواقعة نفسها حول مدى امتلاك المؤسسات الأمنية بيئة كفيلة بحماية النساء المحتجزات، ومدى كفاية الإجراءات الحالية لمنع إساءة استعمال السلطة، والوفاء بالتزامات الدولة الوطنية والدولية المتعلقة بحماية المرأة.

وفقًا للتصريح الرسمي لقائد شرطة الديوانية، اللواء نجاح البياتي، يبلغ إجمالي عدد منتسبي القيادة نحو سبعة عشر ألف منتسب، وفي المقابل أكدت رئيسة لجنة المرأة والطفل في مجلس محافظة الديوانية، السيدة سندس الموسوي، وجود خمسمائة امرأة منتسبة وثلاثين ضابطة فقط يعملن وفق نظام دوام بنسبة خمسين بالمئة ولا يتم إشراكهن في الخفارات الليلية لحراسة مراكز توقيف النساء. هذه الأرقام لا تعكس مجرد نقص عددي، بل تكشف عن خلل في توزيع الموارد البشرية داخل مؤسسة يفترض بها تأمين وجود نسوي دائم في المواقع الحساسة. فإذا كانت النساء يشكلن أقل من ثلاثة بالمئة من إجمالي المنتسبين، وعدد الضابطات لا يتجاوز الثلاثين، فمن الطبيعي أن تظهر فجوات في التغطية الأمنية، غير أن هذه الفجوات الإدارية لا يمكن أن تكون مبررًا للمساس بحقوق المحتجزات، بل تستدعي معالجة عاجلة لنظام الدوام والانتساب وضمان التواجد النسوي على مدار الساعة.

أحد أخطر ما تم تداوله عبر بعض وسائل الإعلام عقب الحادثة هو محاولة وصف الواقعة بأنها تمت بالتراضي، ومن الناحية القانونية والحقوقية فإن هذا الادعاء يفتقر للوجاهة، إذ إن العلاقة بين المكلف بالحراسة والشخص المحروم من حريته ليست علاقة متكافئة بل تقوم على السلطة والسيطرة الفعلية. واستنادًا إلى المبدأ الحقوقي المستقر، فإن البيئة المقيدة للحرية تُعد بطبيعتها بيئة إكراه معنوي تمنع الإرادة الحرة، واستغلال وضع النفوذ من قبل المكلفين بالحراسة يُسقط تلقائيًا أي ادعاء بالرضا، وهو ما تؤكده المبادئ الدولية الخاصة بحقوق المحتجزين والتي تجعل أي ادعاء من هذا النوع محل تدقيق شديد وتترك للقضاء وحده مسؤولية التكييف القانوني استنادًا للأدلة.

وفي السياق ذاته، يقول رئيس مجلس إدارة شبكة العدالة للسجناء في العراق، الحقوقي شوان صابر مصطفى، إن الحادثة مؤسفة وان ترتكب من قبل ضابط برتبة نقيب فهذه كارثة. ونوه مصطفى إلى أن إساءة استخدام السلطة من قبل بعض ضباط ومراتب المؤسسات الأمنية ليست بالأمر الجديد، ورغم أنها تصرفات شخصية، فإن المحزن هو دوام تكرار هذا النوع من الحوادث، ففي مراكز الإصلاح والسجون والمداهمات العسكرية توجد هكذا حالات اعتداء، موصفًا إياها بالمرعبة والمخفية والتي لا يمكن السكوت عنها. وأضاف أنه رغم وجود تجاوب من قبل وزارة الداخلية مع الشكاوى الواردة من قبل الضحايا، فإن الاستمرار بوجود الانتهاكات يمثل جرائم وفق القانون وعقوبتها كبيرة جدا، كون الجاني يحمل المرسوم الجمهوري وهو مؤتمن على حياة الناس وأماناتهم ولكنه لا يصونها، وينتهك حرمة المؤسسة الأمنية، فبدل أن يكون حاميًا للأفراد أصبح عنصر تهديد واعتداء وجريمة، وهو ما يمثل بصورة عامة أكثر من ظرف مشدد للعقوبة.

واختتم مصطفى حديثه بالتأكيد على التطلع إلى إجراء تحقيقات تتضمن كل الضمانات التي توصل إلى الحقيقة وإنزال العقوبات المستحقة قياسًا بخطورة الجريمة وبما ينصف الضحية ماديًا ومعنويًا، مشيرًا إلى أنه من المتوقع أن تكون العقوبات شديدة من قبل الجهات الحكومية المعنية لاسيما بوجود عدة أشخاص من أفراد العناصر الأمنية الذين اعتدوا جنسيًا على موقوفة، وتعتبر جرائم الاعتداء الجنسي من الجرائم الخطيرة جدًا، حيث يفترض برجال الداخلية أن يكونوا الدرع الحامي للحقوق والحريات للشرف والمال والنفس، فكيف يكون الانتهاك من قبل هذا الحامي، معربًا عن التطلع لوضع جزاءات شديدة وتدابير احترازية من شأنها حماية الأشخاص من مثل هذه الجرائم والفظائع.

وعلى صعيد التحركات المحلية والإجراءات المتخذة للتعامل مع القضية، أعلنت رئيسة لجنة المرأة والطفل في مجلس محافظة الديوانية السيدة سندس الموسوي عن تشكيل فريق عمل مختص من مجلس المحافظة لمتابعة حادثة الاعتداء التي تعرضت لها إحدى النزيلات داخل مركز شرطة حي النهضة، وذلك في إطار الحرص على حماية حقوق الإنسان وصون كرامة المرأة، ومتابعة مجريات التحقيق مع الجهات المختصة. وأكدت الموسوي أن الفريق سيباشر مهامه الميدانية للاطلاع على تفاصيل القضية والتنسيق مع الجهات المعنية، فضلاً عن تنفيذ زيارات دورية إلى مراكز الاحتجاز والسجون في المحافظة للاطلاع على أوضاع النزيلات والتأكد من الالتزام بالمعايير القانونية والإنسانية في التعامل معهن، مشددة على أن أي تجاوز يمس كرامة الإنسان أو يخالف القانون يجب أن يُواجه بإجراءات قانونية حازمة، ومؤكدة دعمها الكامل لكشف جميع ملابسات القضية وضمان محاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفقاً للقانون وبعد استكمال التحقيقات الرسمية،

كما دعت الموسوي ،الجهات القضائية والأمنية إلى الإسراع في استكمال التحقيقات وإعلان نتائجها بشفافية بما يعزز ثقة المواطنين بسيادة القانون ويضمن عدم تكرار مثل هذه الحوادث.

وذكرت الموسوي ، انها وفي إطار متابعة قضية الاعتداء اللاأخلاقي الذي حدث من قبل ضابط وثلاثة منتسبين من الشرطة على إحدى النزيلات، جرت زيارة قيادة شرطة الديوانية من قبلها مع وفد نسوي ثلاثي ضم مختصات في الشان النسوي والحقوقي في المحافظة، حيث التقت قائد شرطة المحافظة اللواء نجاح البياتي واتفقت مع قيادة الشرطة على تنفيذ حزمة إجراءات تمنع وقوع مثل هذا النوع من الجرائم مستقبلاً، تمثلت في تشكيل لجنة لإعادة تقييم مراكز الشرطة، واختيار عناصر أمنية بمواصفات مهنية وكفاءة وإمكانية عالية ووعي تام بالقوانين وحقوق الإنسان، وتثبيت منتسبات في مركز توقيف النساء لساعات أطول من السابق، وتنسيب منتسبات من قسم الشرطة المجتمعية، إضافة إلى تكثيف برامج التوعية للعناصر الأمنية حول حقوق الإنسان وكيفية التعامل مع الموقوفات والموقوفين.

منذ سنوات، يعلن العراق التزامه بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم ثلاثة عشر خمسة وعشرين بشأن المرأة والسلام والأمن، وأطلق خططًا وطنية متعددة لهذا الغرض، لكن تقييم تنفيذ القرار، كما تؤكد الحقوقية دعاء عبد الأمير، لا يقاس بعدد المؤتمرات أو ورش العمل، بل يظهر في مدى وجود ملاكات نسوية مؤهلة داخل المؤسسات الأمنية ومشاركتهن الفعلية في الحماية لاتخاذ القرار. ويتسق هذا مع الأطر التشريعية والدولية، وأبرزها الدستور العراقي الذي كفل حماية الكرامة الإنسانية وأوجب احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، وقوانين الأصول الجزائية والمؤسسات الإصلاحية من ناحية فرض توفير الحماية الشاملة للموقوفين والنزلاء أثناء احتجازهم، وكذلك قواعد بانكوك وقواعد نيلسون مانديلا التي تشدد على مراعاة خصوصية النساء وضرورة إشراف موظفات مؤهلات عليهن وتوفير الحماية الكاملة من جميع أشكال العنف والاستغلال.

وتعقب رئيسة شبكة النساء العراقيات هناء ادور على حادثة الديوانية بالقول إن الموضوع المهم والملحّ اليوم هو عدم وجود سجن خاص للنساء في أغلب المحافظات، إذ يُكتفى بإنشاء قسم خاص بالنساء ضمن سجن التسفيرات التابع للمحافظة وبإدارة كاملة من قِبل الرجال، وهذه الآلية تسمح بانتهاكات متكررة بحق الموقوفات والسجينات ولاسيما حالات التحرش والاغتصاب الجنسي. وبناءً على ذلك، يتوجب علينا الضغط الجاد باتجاه تأسيس مركز توقيف خاص بالنساء يُدار بالكامل من كوادِر نسائية مختصة ومؤهلة وأن يكون تحت الرقابة، وتلعب ممثليات مفوضية حقوق الإنسان دورًا رقابيًا عليه، مع التأكيد على أهمية تأهيل الكوادر النسائية العاملة فيه. وذكرت ادور أنه من متابعاتنا الميدانية السابقة نلاحظ أن القائمين على مراكز التوقيف لا يلتزمون بالسياق المفروض بإحالة الموقوفة لأسباب الدعارة والبغاء إلى الفحص الطبي مباشرة، بل ويجري استغلال ظرفها في الاعتداء عليها. ومكمن الخلل الأساسي يتجلى في أن الموقوفة في أغلب الأحيان لا تستطيع تقديم الأدلة المادية على الاعتداء عليها مقابل اتهامات المعتدين أنها قامت بإغوائهم. واختتمت بالقول إنه إذا لم يكن بالإمكان إيجاد مركز توقيف نسائي مجهز بشكل سريع، لابد من التفكير فورًا بآلية بديلة مثل ما كان يعمل به سابقًا بإبقائها بكفالة المختار أو صيغة أخرى مناسبة تكفل حمايتها.

إن المؤسسة التي تضم آلاف المنتسبين وتُعجز عن توفير ملاكات نسوية كافية لإدارة أماكن احتجاز النساء تعاني من خلل في التخطيط لا في عدد الأفراد، فالإدارة الناجحة تقاس بقدرتها على منع الانتهاك قبل وقوعه لا الاكتفاء بمعاقبة مرتكبيه بعد حدوثه. وفي هذا الصدد، تشير الناشطة الحقوقية هناء شيروان إلى أن المشكلة عميقة وتتمثل في عدم وجود مراكز توقيف مستقلة للنساء في عدة محافظات والاكتفاء بأقسام نسوية ضمن مراكز يديرها رجال، داعية إلى إنشاء مراكز توقيف خاصة تتولى إدارتها كوادر نسوية متخصصة بالكامل. ولضمان بناء منظومة حماية متكاملة، تتلخص الاستحقاقات المطلوبة في المحاور التي تدعو إليها شيروان، والمتمثلة في مراجعة سياسة دوام المنتسبات وزيادة أعداد الشرطيات والضابطات، وإنشاء مراكز توقيف وسجون مستقلة للنساء تُدار محليًا من قبل كوادر نسوية مؤهلة، وكذلك تزويد مراكز الاحتجاز بكاميرات مراقبة مرتبطة بغرف عمليات مركزية ومستقلة تشرف عليها كوادر نسوية لضمان المتابعة دون المساس بخصوصية المحتجزات، مع ضرورة توفير قنوات إبلاغ مستقلة تتيح للموقوفات تقديم الشكاوى دون خوف من الترهيب أو الانتقام مع ضمان حماية الشهود وإحالة الفحوصات الطبية وفق الأصول القانونية، بالإضافة إلى تأكيدها على تعزيز الزيارات الدورية لجهات القضاء ومفوضية حقوق الإنسان وإخضاع جميع العاملين والعاملات لتدريب إلزامي حول حقوق الإنسان وآليات منع العنف القائم على النوع الاجتماعي.

إن قوة الدولة لا تُقاس بعدد منتسبيها بل بقدرتها على حماية الفئات الأكثر هشاشة تحت سلطتها، ولذا يجب ألا تنتهي حادثة الديوانية عند حدود إحالة المتهمين إلى القضاء، بل ينبغي أن تكون نقطة انطلاق لإصلاح مؤسسي شامل يعالج جذور المشكلة ويعيد الثقة بالمؤسسة الأمنية ويؤكد أن كرامة الإنسان ليست محل تفاوض بل مسؤولية قانونية ودستورية وأخلاقية تقع على عاتق الدولة بأكملها.

زر الذهاب إلى الأعلى